4. كيف نصلي؟
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.
الأهم من أي قاعدة أو قانون هو علاقة محبتنا بيهوشوه المسيا، التي تنمو من خلال الوقت الذي نقضيه في دراسة الكتاب المقدس والصلاة وتقديم الشهادة للآخرين. فيهوه يحدثنا عندما ندرس الكتاب المقدس. و عندما نصلي فإننا نتحدث إليه. وعندما نشهد للآخرين فإننا نتحدث عنه. سنكتشف في هذا الدرس أسرار الصلاة و كيف يمكننا التمتع بهذا الأمتياز العظيم، الا و هو الأنسان الخاطيء الضعيف يمكنه أن يتحدث مع يهوه الكلي القدرة و القداسة، و أدراك أن يهوه قد أبرم هذه الوسيلة ليقربنا إليه، فهو يشتاق أن يتحدث إليه أولاده من خلال الصلاة ويطلعوه عما بقلبهم من أفراح و أحزان.
نعم يكلمنا يهوه في الطبيعة وفي الوحي، ويناجينا بأعمال العناية وبتأثير الروح القدس فينا، ولكنّ هذا كله لا يكفي، بل، لكي تكون لنا حياة وقوّة روحّيتان، يلزم أن نفيض له بمكنونات صدورنا، ونحادثه عن جميع أمورنا، فقد تنجذب إليه عواطفنا، وقد نتأمل أعماله ومراحمه وبركاتِه دون أن نكون قد تحدثنا إليه بالمعنى الحقيقي، فلكي يكون بيننا وبين يهوه تحادث يجب أن نخبرَه، في صلاتنا إليه، بما في حياتنا من واقعيات.

إن الصلاة هي فتح القلب ليهوه كما لو كنا نكلّم صديقا حميما، وليست هي ضرورية لنعلم يهوه بما نحن عليه، ولكنّها ضرورية لأنّها تمكننا نحن من قبول نعمته، إذ أنّها لا تُنزل يهوه إلينا ولكنّها ترفعنا إليه.
علَّم السيد يهوشوه تلاميذَه كيف يصلّون وأرشدهم إلى أن يعرضوا حاجاتِهم اليومية ليهوه، ويُلقوا كل همهم عليه، وأكدّ لهم أن طلبتهم تستجاب، وما قاله لهم قاله لنا نحن أيضا.
ويهوشوه نفسه، وهو حالّ بين الناس، كان يصلّي كثيرا، فإذ اتحد بنا، وصارت حاجاتُنا حاجاتِه وضعفاتُنا ضعفاتِه، تضرّع إلى الآب لينال منه قوةً جديدةً وليخرج متشدّدا لمواجهة واجبات اليوم وتجاربه، وهو في كل شيء مثالنَا، كما أنه أخ لنا في ضيقاتنا، "مجرب في كل شيء مثلنا" ولكنّه مع ذلك هو القدوس الذي نفرت طبيعتُه من الاثم، وقاسى صراعا وعذابا أليما وهو في عالم الخطية، فجعلت بشريتُه الصلاةَ ضروريةً له، لذّةً وامتيازا، ووجد في التحدث إلى الآب فرحاً وعزاء، فإذا كان مخلّص الناس، ابنُ يهوه الحبيب، قد شعر بحاجةٍ إلى الصلاة، فكم هو أجدر بنا نحن الضعفاء والأثمة المائتين أن نشعرَ بحاجتِنا إلى الصلاة الحارّة المستديمة.
يترقب أبونا السماوي الفرصَ ليغمرنَا ببركاته، وإنّه لمن ميزاتِنا أن نشربَ جرعاتٍ مشبعةً من ينبوع محبته، فما أغرب قلة صلواتِنا إليه. إنّ يهوه لمستعد وراضٍ ان يسمع الصلاةَ الخالصةَ الصاعدةَ من أوضع أولاده، ومع ذلك نرى بيننا ترددا ظاهرا في إعلامه حاجاتِنا، وماذا يظنّ الملائكة في أناسٍ مساكين ضعفاء مُعرّضين لتجاربَ قوية وهم على رغم ذلك لا يصلّون إلا قليلا، ولا يؤمنون إلا يسيرا! وأما يهوه فإنّه مشتاقً اليهم، راغبٌ في أن يهبهم أكثرَ جدا مما يتصورون. وها الملائكة يُسرّون بالسجود أمام يهوه ويحبون القرب منه ويتلذذون بالتحادث اليه ولكن أولاد آدم، وهم في مسيس الحاجة إلى عونه تراهم مكتفين بأن يسلكوا بدون نور الروح القدس وبدون مرافقته لهم وحضوره معهم.
يرخي الشرّير سدول ظلامه على الذين يسهون عن الصلاة ويغريهم على الخطية إذ يهمس في قلوبهم بوسوسته، ذلك لأنهم لا يستغلون حقوقهم التي أنعم بها يهوه عليهم في الصلاة، ولماذا يحجم بنو يهوه عن الصلاة وهي المفتاح في يد الايمان به يفتحون خزائن السماء المذخّر فيها وفور غنى القادر على كل شيء؟ وإن لم ندأب في الصلاة ونجاهد في السهر نعرّض أنفسنا لخطر الإهمال فالحيدان عن المنوال المستقيم، لأن العدو يسعى سعيا متواصلا ليضع العراقيل في الطريق المؤدي إلى عرش النعمة ويمنعنا من الحصول على النعمة والقوة لمقاومة التجارب بواسطة الإيمان والصلاة.
أجل يشترط يهوه شروطا معينة لا بدّ من إيفائها ليستمع لدعائنا ويجيبنا إلى طلباتنا، الشرط الأول: هو أن نشعر بحاجتنا إلى معونته، فقد وعد قائلا: "أسكب ماء على العطشان وسيولا على اليابسة" (إشعياء 44 :3)، فالذي يجوع ويعطش إلى البر ويشتاق إلى يهوه ، لا بدّ من إشباعه، ولكن يجب أن يكون قلبه مفتوحا لتأثير الروح القدس وإلا فالبركة لا تأتيه.
إنّ أقوى حججنا لنيل البركات هي حاجتنا اليها عيناً، فإنها تشفع فينا بأفصح العبارات، إلا أنه يجب علينا أن نطلب من يهوه أن يعمل لأجـلنا، كما قال: "أطلبوا تجدوا"، و "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء" (رومية 8: 32).
الشرط الثاني: إن راعينا إثماً في قلوبنا، أو تمسكنا بخطية واحدة معلومة لدينا، لا يستمع لنا يهوه، ولكنه في كل وقت يقبل صلاة النفس التائبة المنسحقة، فيحق أن نؤمن بأن السيد قد سمع وأنه ليستجيب صلواتنا، لأننا ونحن خطاة قصار البصر، كثيرا ما نطلب ما هو لضررنا، وأما ابونا السماوي فحباً لنا ورفقا بنا يستجيب صلواتنا بأن يعطينا ما هو لخيرنا الأكبر وما كنا لنطلبه لأنفسنا لو استنيرت أذهاننا وعرفنا الأمور على حقيقتها، فعندما يبدو لنا أن صلواتنا غير مستجابة يجب أن نتمسك بالوعد، لأنه لا بد من أن يأتي وقت الاستجابة وننال البركة التي نحن في أشد الحاجة اليها، وأما الادّعاء بأن صلواتنا تستجاب بالكيفية التي نعيِّنها نحن وفي الشيء نفسه الذي نطلبه فهو تطفّل، بل تصلّف، لأن يهوه احكم من أن يخطيء وأصلح من أن يمنع خيرا عن السالكين بالكمال، فلا تخشَ الاتكال عليه حتى إذا كنت لا ترى الجواب فورا عما طلبت، بل ثق بالوعد الأكيد القائل: "اسألوا تعطوا" (متى 7: 7).
الشرط الثالث هو الإيمان: أما اذا أخذنا بمشورة شكوكنا ، وسرنا على رأي مخاوفنا، وأردنا أن نحلّ كل معضلة قبل أن نؤمن بيهوه ، فلا نزداد إلا حيرة وارتباكا، "و لكن ليطلب بايمان غير مرتاب البتة لان المرتاب يشبه موجا من البحر تخبطه الريح و تدفعه" (يعقوب 1: 6). ولكن إذا أتينا اليه شاعرين بنقصنا وقصر باعنا، وبإيمان وديع وثقة ثابتة أعلمناه بحاجتنا، وهو العليم بما في السماء وعلى الأرض، ويرى كل ما في الخليقة ويسيّر كل شيء بكلمته وبحسب إرادته - فهو القادر أن يسمع دعاءنا وينير قلوبنا، وهكذا بصلواتنا المخلصة نصير على اتصال بفكر القادر على كل شيء، وقد لا نرى دليلا قاطعا على أنّ المخلص يحنو علينا ويحبونا برحمته ومحبته، وقد لا نحسّ بلمسة يده على جباهنا في رفق وحنان، ومع ذلك هذه هي الحقيقة الراهنة.
الشرط الرابع: وإذ نأتي إلى يهوه لنطلب منه رحمة وغفرانا يجب أن يملأ قلوبنا روح التسامح والمحبة للآخرين، وكيف يمكننا أن نصلي قائلين: "وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا" ما دام فينا روح الانتقاد وعدم الإغضاء؟ فإنه على قدر ما نتوقع أن يسمع لنا ويسامحنا، على هذا القدر عينه يجب أن نصفح نحن للآخرين ونسامحهم.

الشرط الخامس: جعل يهوه المثابرة على الصلاة شرطا لاستجابتها، فقد أمرنا أن نصلي بلا انقطاع لكي نتقوى في الإيمان ونتقدم في الاختبار، فأمر أن نواظب "على الصلاة"، وأن نسهر "فيها بالشكر"، ونتعقل ونصحو "للصلوات"، و"في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى يهوه" و "انتم أيها الأحباء … مصلين في الروح القدس … احفظوا أنفسكم في محبة يهوه" (رومية 12: 12؛ كولوسي 4: 2؛ 1بطرس 4: 7؛ فيلبي 4: 6؛ يهوذا 20، 21). في المواظبة على الصلاة تتحد النفس بيهوه اتحادا لا تنفصم عراه فتجري حياة من يهوه إلينا، وترجع إليه لمجد اسمه في طهارتنا وقداستنا.

إن المثابرة على الصلاة لضرورية حيوية، فيجب ألا يعوقك عنها شيء، بل ابذل الجهد لتكون نفسك على اتصال دائم بيهوشوه، واغتنم كل فرصة تسنح للذهاب إلى حيث تجري العادة أن تكون صلاة، لأن الذي يطلب محادثة يهوه تراه في اجتماع الصلاة قائما بواجبه، مهتما به، مجدّا في الحصول على كل بركة وفائدة، ملتمسا أن يكون حيث تضيء عليه الأشعة السماوية.

يجب أن نصلي في دائرة العائلة، ولكن الصلاة الانفرادية هي أكثر الصلوات حياة للنفس وقوة لها، فاذا ما أُهملت تذبل النفس ولا تستطيع أن تزهو وتثمر، ولا تغني الصلاة العائلية أو الصلاة العمومية في المجتمع عن الصلاة الانفرادية في المخدع، إذ أننا نحتاج أن نكشف نفوسنا أمام يهوه على انفراد وأن نصعد ابتهالاتنا إلى اذني إاله الجنود الجنود حيث لا تسمعها أذن بشرية، والنفس في المخدع تكون بعيدة عن كل تأثير خارجي وفي معزل عن كل ما قد يثير الحواس أو يهيّج العواطف، فتتلمس يهوه بهدوء وحرارة عظيمين، وما أحلى البركات المنبثقة حينئذ من الذي يرى في الخفاء ويسمع كل صلاة تصعد من صميم الفؤاد، وهكذا، بالإيمان البسيط الهاديء، تتمسك النفس بقوة يهوه وتجمع لذاتها أشعة نوره لتسندها في محاربتها ضد الشيطان، إن يهوه لبُرجها الحصين.

ينبغي أن نحدد وقتا للصلاة وأنسب وقت للصلاة هو وقت الصباح ومثالنا الكامل في هذا هو يهوشوه، "وفي الصبح باكرا جدا قام و خرج و مضى الى موضع خلاء و كان يصلي هناك" (مرقس 1: 35)، "يا يهوه بالغداة تسمع صوتي بالغداة اوجه صلاتي نحوك و انتظر" (مزمور 5: 3). ويجب أن تكون صلواتنا شخصية في انفراد تام للتخاطب مع يهوه ولا داعى لتكرار الكلام في الصلاة، لإننا لا نستطيع أن نفعل ذلك مع صديق لنا بإن نجلس معه ونستمر في تكرار كلامنا له كي نتأكد من إنه قد سمعنا، "ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فانهم يحبون ان يصلوا قائمين في المجامع و في زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس الحق اقول لكم انهم قد استوفوا اجرهم. و اما انت فمتى صليت فادخل الى مخدعك و اغلق بابك و صل الى ابيك الذي في الخفاء فابوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. و حينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالامم فانهم يظنون انه بكثرة كلامهم يستجاب لهم. فلا تتشبهوا بهم لان اباكم يعلم ما تحتاجون اليه قبل ان تسالوه" (متى 6: 5-8).
يمكننا أن نصلى أيضا مع الأخرين، "واقول لكم ايضا ان اتفق اثنان منكم على الارض في اي شيء يطلبانه فانه يكون لهما من قبل ابي الذي في السماوات. لانه حيثما اجتمع اثنان او ثلاثة باسمي فهناك اكون في وسطهم" (متى 18: 19، 20). فعند اجتماعنا معهم لا يجب أن نصلى صلاتنا الشخصية في مكان الأجتماع العمومي مع الأخوة ولانحضر أسرارنا مع يهوه إلى معرفة الأخرين، بل يجب أن تكون صلاتنا العامة قصيرة ومحددة لطلب بركة يهوه على الأجتماع والحاضرين. يصح القول إيضا إنه لا ينبغي أن نُحضر صلواتنا الشخصية إلى الوقت المخصص للصلاة على الطعام، فلكل مناسبة صلاة خاصة بها "فلما اتكا معهما اخذ خبزا و بارك و كسر و ناولهما" (لوقا 24: 30)، "و لما قال هذا اخذ خبزا و شكر يهوه امام الجميع و كسر و ابتدا ياكل" (أعمال 27: 35).
وعند الصلاة يجب أن نظهر كل احترام وخشوع لحضور يهوه اكثر جدا مما نظهر للضيوف أو أحد الشخصيات المهمة، "هلم نسجد و نركع و نجثو امام يهوه خالقنا. لانه هو الهنا و نحن شعب مرعاه و غنم يده اليوم ان سمعتم صوته" (مزمور 95: 6، 7).
عندما طلب التلاميذ من يهوشوه أن يعلمهم أن يصلوا، "واذ كان يصلي في موضع لما فرغ قال واحد من تلاميذه يا سيد علمنا ان نصلي كما علم يوحنا ايضا تلاميذه" (لوقا 11: 1)، قال لهم يهوشوه : "فقال لهم متى صليتم فقولوا ابانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليات ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض. خبزنا كفافنا اعطنا كل يوم. واغفر لنا خطايانا لاننا نحن ايضا نغفر لكل من يذنب الينا و لا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير" (أعداد 2-4)، لم يكن يهوشوه يقدم صلاة رسمية يجب تلاوتها، بل كان يجيب على سؤال التلاميذ،"علمنا أن نصلي". وهو قد علمهم هنا نوعية الأشياء التي يجب الصلاة من أجلها و كيف يجب أن نثابر في الصلاة كم هو واضح في "ثم قال لهم من منكم يكون له صديق و يمضي اليه نصف الليل و يقول له يا صديق اقرضني ثلاثة ارغفة. لان صديقا لي جاءني من سفر و ليس لي ما اقدم له. فيجيب ذلك من داخل و يقول لا تزعجني الباب مغلق الان و اولادي معي في الفراش لا اقدر ان اقوم و اعطيك. اقول لكم و ان كان لا يقوم و يعطيه لكونه صديقه فانه من اجل لجاجته يقوم و يعطيه قدر ما يحتاج. و انا اقول لكم اسالوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم" (لوقا 11: 5-9).
فصِّل إذن في مخدعك، وليكن قلبك مرفوعا إلى يهوه، وأنت تباشر أعمالك اليومية، لانه هكذا سار أخنوخ مع يهوه، ومثل هذه الصلوات الصامتة تصعد أمام عرش النعمة كالبخور العطر، ولن يغلب الشيطان أبدا الإنسان الذي يستند على يهوه هكذا في قلبه. وليس من مكان أو زمان لا يليق رفع الطلبة إلى يهوه فيهما، وليس من مانع يستطيع أن يمنعنا من التوجه إليه في قلوبنا في روح الصلاة الحارة طالبين في شوارع المدينة المزدحمة أو في وسط صفقة تجارية، الإرشاد الإلهي، كما فعل نحميا وهو مائل في حضرة الملك ارتحشستا، لأننا حيثما كنا فنحن مع يهوه كما في مخدع، وقلوبنا مفتوحة تدعو يهوشوه أن يمكث فيها ضيفا كريما محبوبا.
ولئن كنا محاطين بجو فاسد مميت، لا يتحتم علينا أن نستنشق هواءه المفسد، بل في إمكاننا أن نحيا في جو السماء النقي المنعش بأن نوصد كل باب في وجه التصورات النجسة والتفكرات الدنسة، ونرفع قلوبنا إلى يهوه في صلاة خالصة، فالذي يرفع نفسه إلى يهوه لقبول عونه وبركته يسير في جو أقدس من الذي يحيط بالأرض، ويتصل بالسماء اتصالا وثيقا دائما.

من حاجاتنا الماسة أن نرى يهوشوه رؤية أجلى وأوضح وأن ندرك الأمور الأبدية إدراكا أكمل وأصرح، فيجب أن تملأ زينة القداسة حياةَ اولادِ يهوه، ولا يتمّ لهم هذا إلا إذا طلبوا إعلان الأمور السماوية إعلانا إلهيا جليا.

فلتنجذب النفس إلى فوق ليمنحها يهوه أن تتنسمُ نسيم السماء لأنه في إمكاننا أن نعيش قريبا من يهوه حتى تتجه أفكارنا اليه إذا داهمتنا تجربة كما تتجه زهرة الاقحوان نحو الشمس على الدوام.
اعرض حاجاتِك وأفراحك وأحزانك وهمومَك ومخاوفَك أمام يهوه بصورة دائمة، فإنه لا يقلق من كثرتها ولا يمل من عددها، فالذي يحصي شعر رؤوسنا، ألا يهتم بحاجات أولاده؟ بلى، "يهوه كثير الرحمة ورؤوف" (يعقوب 11:5)، وقلبه المحب يتأثر من أحزاننا حتى من ذكرها له، فاذهب اليه بكل ما يحيّر فكرك واثقا أنّ الذي يحمل العالمين بكلمته ويسيرّ الكواكب حسب إرادته لا يعظم عليه أمر، ولا يستصغر أمرا ما حتى لا يعيره التفاتا، فليس في أختباراتنا فصل لا يستطيع أن يقرأه ولا في حياتنا معضلة لا يعرف حلها، ولا تصيب أحدَ أولاده الاصاغر نكبة، ولا يبهجهم فرحٌ، ولا يساورهم خوفٌ، ولا تصعد صلاة خالصة من شفاههم، إلاّ ويعلم بها أبونا السماوي ويهتم لهم بها، فهو "يشفي المنكسري القلوب ويجبر كسرهم" (مزمور3:147)، ويعامل كل نفس معاملة فارقة كاملة كأنها هي الوحيدة التي بذل ابنه لأجلها.
قال يهوشوه: "في ذلك اليوم تطلبون باسمي، ولست أقول لكم إني أنا اسأل الآب من أجلكم. لأن الآب نفسه يحبكم" و "أنا اخترتكم … لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي" (يوحنا 16: 26، 27؛ 15: 16)، ولكن الطلب باسم يهوشوه لا يعني مجرد ذكر اسمه العزيز في مستهل الصلاة أو في ختامها، بل يعني أن يكون فينا فكر المسيا وروحه وان نكون مؤمنين بمواعيده، متكلين على نعمته وممارسين أعماله.
واذ يطلب يهوه منا أن نعكف على التعبد والصلاة، فهذا لا يعني أن نعتزل هذا العالم ونلجأ إلى الأديرة والصوامع لكي نحيا حياة الترهّب والتنسّك، بل يجب ان نكون مقتدين بيهوشوه الذي كان يقضي يومه بين الاختلاء في الجبل وخدمة الجمهور، فمن يحاول أن يقضي الوقت كله في الصلاة لا يلبث أن يهجرها أو يأتيها كمجرد فرض عليه، ذلك أن الإنسان عندما ينتزع نفسه من حياة المجتمع ويتناءى عن الواجب المسيحي ويتهرّب من حمل الصليب، تفتر همتُه ويخمد نشاطُه في خدمة سيده وتصير صلاته بدون هدف وبدون باعث وتصبح طلباته مقتصرة على ذاتيته ومحصورة في دائرة انانيته، فلا يصلي لأجل حاجات البشر عامة أو لأجل تقدم ملكوت يهوه أو للحصول على قوة لكي يخدم سيده خدمة ناجعة مقبولة.
إننا إن أهملنا واجب المعاشرة واغفلنا تشجيع وتقوية بعضنا البعض على المضي في خدمة يهوه، نخسر خسارة أيّة خسارة إذ تفقد الحقائق الإلهية قوتَها على إحيائنا، وتقل أهميتها في نظرنا، فلا تؤثر بعد في أفكارنا لإنارتها وتقديسها، فننحط انحطاطا روحيا متواليا، هذا وإن لم يصِرْ بيننا وبين بعضنا عطفٌ متبادل نخسر ميزات المعاشرة وفوائدها، لأن الذي يعيش بمعزل عن الناس وينطوي على نفسه لا يملأ المقام المعين له من يهوه، ففينا غرائز تميل إلى المخالطة ويكسبنا إنماؤها عطفا على الآخرين وتقدما في خدمة يهوه وقوة على إرضائه.

لو كان المسيحيون يجتمعون للتحادث عن محبة يهوه وعن الفداء العظيم والحق الثمين لشرحوا بذلك خواطرهم وانعشوا بعضهم بعضا، لأنه في إمكاننا أن نتقدم كل يوم في معرفة يهوه ونختبر اختباراتٍ جديدة في نعمه، وإذ ذاك نرغب في التكلم عن محبته وتلتهب قلوبنا فينا ونتشجع، فلو زدنا في التحادث عن يهوشوه وقللنا من التكلم عن أنفسنا لتمتعنا بدوام حضوره معنا وحلوله بيننا.

لو كان تفكرنا في يهوه يعادل ما نراه من الدلائل على عنايته بنا لكنا نفكر فيه على الدوام ونُسرّ بالتكلم عنه ونلهج بحمده، أننا نتحادث عن الامور الزمنية لأننا نهتم لها، ونذكر أحباءنا لأننا نحبهم ونرتبط بهم ولأنهم علّة أفراحنا وأتراحنا، بيدَ أن أسباب محبتنا ليهوه كثيرة لا تقاس، فيجب ان يكون غريزيا فينا أن نجعله الأول في أفكارنا لنذكر حسناته ونخبر بقوته، ولم يكن القصد من هباته الغنية التي يجزلها لنا ان نستغرق فيها ونغرم بحبها حتى لا يكون لنا وقت للتفكير في واهبها، بل كان القصد منها أن تربطنا به برباط المحبة والشكران الشديدين، ولكننا نسكن في الحضيض، فلنرفعن أعيننا إلى باب المقدس السماوي المفتوح حيث نرى مجد يهوه المضيء من وجه يهوشوه المسيا القادر "ان يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى يهوه" (عبرانيين 7: 25).
يلزم أن نكثر الحمد "على رحمته وعجائبه لبني آدم" (مزمور107: 8)، وألا تقتصر عبادتنا على الطلب والأخذ، وألا نفكر دائما في حاجاتنا ونغضّ الطرفَ عما بين أيدينا من النعم والبركات، لأننا، وإن كنا لا نصلي أكثر مما يلزم وإنما نبخل في تقديم الشكر اللائق، نرى مراحم يهوه التي تغمرنا على الدوام، وما اقل شكرنا وما أشد بخلنا في الحمد له على كل ما صنع لأجلنا.
قال يهوه لإسرائيل قديما إذ اجتمعوا لخدمته، "تأكلون هناك أمام يهوه الهكم وتفرحون بكل ما تمتد إليه أيديكم، انتم وبيوتكم، كما بارككم يهوه الهكم" (تثنية 12: 7)، فالذي نعمله لمجد يهوه إنما يجب أن نعمله بفرح وبترانيم الحمد والشكر، لا بالغم والاكتئاب.
إنّ إلهنا أبٌ رؤوف فيجب ألا نحسب الخدمة له عملا شاقا مكدّرا، بل ساراً ومُستحبا لدينا، وأنه لا يسرّه ان نعتبره سيدا صارما مسخرا فهو صديقنا الخالص، واذ نعبده يريد الحضور معنا ليباركنا ويعزينا ويملأ قلوبنا فرحا ومحبة، فنجد في عبادته عزاء ولذة، لا عناء ومشقة، ونخرج من مكان العبادة وأفكارنا منصرفة إلى التأمل في عنايته ومحبته، فنتقوى للقيام بالواجبات اليومية ونحصل على نعمة تمكننا من الاستقامة والأمانة في جميع معاملاتنا.
فلنجتمع حول الصليب ولنجعل المسيا وإياه مصلوبا مدار تأملاتنا وموضوع محادثاتنا ومبعث فرحنا وابتهاجنا، ولنتذكر كل بركة تأتينا من يهوه حتى إذا ما تحققنا عظم محبته نثق به ونودع بين يديه المسمرتين كل أمورنا عن رضى مطمئين.
إنه في استطاعة النفس أن تسمو وتعلو إلى السماء على أجنحة الحمد والشكر، فاذ نعبُّر عن شكرنا له بصوت الترنم تصير عبادتنا كعبادة الجيوش السـماوية التي تقدم ليهوه الحمـد بقيثارات ونغمات مفرحة، ولقد قال يهوه إن: "ذابح الحمد يمجدني" (مزمور50: 23)، فهلمَّ نتقدم إلى خـالقنا ونهـتف له بصـوت، "الحمد وصوت الترنم" (إشعياء51: 3).
(المرجع لهذا الكتاب كتاب طريق الحياة، صفحة 80-89).

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
25
Calendar App