2. كيف نفهم الكتاب المقدس؟
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

يظن البعض أن الكتاب المقدس يصعب فهمه حتى أنهم يخافون من مجرد المحاولة. بينما يتساءل البعض الآخر: إذا كان يمكن فهم الكتاب المقدس، فلماذا توجد كنائس مختلفة تؤمن جميعا بالكتاب المقدس ومع ذلك تعلم تعاليم مختلفة؟ أما سبب تعدد المعتقدات فهو، أنه على الرغم من ادعاء كثير من الناس بإيمانهم بالكتاب المقدس، إلا أنهم لم يدرسوه بالطريقة التي أمرهم يهوه بها. لقد أخبرنا يهوه كيف نفهم الكتاب المقدس، فإذا نحن اتبعنا الأسلوب الذي رسمه  يهوه لنا في كلمته، يمكننا أن نعرف معناها بالضبط. يمكننا أن نعرف الحق "قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ" (يوحنا 17: 17). سنتعلم في هذا الدرس كيف يخبرنا يهوه عن الطريقة التي يجب أن ندرس بها الكتاب حتى لا نكرر اختبار اسرائيل قديما في هلاكهم من عدم معرفة كلام يهوه، "قَدْ هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ. لأَنَّكَ أَنْتَ رَفَضْتَ الْمَعْرِفَةَ أَرْفُضُكَ أَنَا حَتَّى لاَ تَكْهَنَ لِي. وَلأَنَّكَ نَسِيتَ شَرِيعَةَ إِلَهِكَ أَنْسَى أَنَا أَيْضاً بَنِيكَ" (هوشع 4: 6).

أولا يجب أن نعرف أن الكتاب المقدس هو صوت يهوه لنا و لذلك يدعى كلمة يهوه، و لأننا بشر خطاة لا نقدر أن نسمع يهوه إلهنا بأذاننا المجردة و نعيش، لذلك جعل يهوه صوته متضمنا بين صفحات الكتاب المقدس من سفر التكوين حتى الرؤيا. فالكتاب كله هو أعلان عن يهوه فيما يخص صفاته، شرائعة، سلطته، خططهُ ...الخ. فالكتاب بالنسبة للإنسان يجب أن يكون بمثابة المصباح الذي يضىء الطريق له في الظلام، "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مزمور 105:119). وأما لمن لا يفهمون، فهم قصيري النظر روحيا، "فقال لهما ايها الغبيان و البطيئا القلوب في الايمان بجميع ما تكلم به الانبياء" (لوقا 24: 25). ولكن لمن يفتح ذهنه للروح القدس سيلتهب قلبه ويفرح بأعلانات يهوه له، "فقال بعضهما لبعض الم يكن قلبنا ملتهبا فينا اذ كان يكلمنا في الطريق و يوضح لنا الكتب" (لوقا 24: 32).

فيجب أن نؤمن بالكتاب لأن مصدره يهوه، نعني هنا ليس الإيمان النظري بل العملي الذي يقود الإنسان إلى تصديق يهوه حتى في وجه المستحيلات، أي قبول و تصديق كلام يهوه و مواعيده كما يصدق الطفل أبيه في جميع أمور حياته الصغيرة منها والكبيرة. ونستطيع أن نركن إلى الكتاب ونؤمن به لأن يهوه هو صانع السموات والأرض وكل ما فيها وله السلطان على كل الأشياء فهو يستطيع كل شيء ولا يعثر عليه أمر. ولكن الذي يؤمن بكلام الكتاب يجب أن يعرف صاحبه معرفة جيدة كما يعرف الإنسان صديقه و يصدقه في كل شيء و يثق فيه و يطلعه على أثمن أسراره. فقط من يعتبر يهوه أعز عليه من كل الصلات الأرضية يستطيع أن يثق بكلمته، لأن الإنسان لا يثق في شخص ما أو يسمع له أذا كان لا يحبه، و أيضا لن يثق في من ليس لديه القوة على تنفيذ كلمته أو في من لم يظهر نحوه محبة. لذلك أنه من مصلحتنا الحاضرة و الأبدية أن نتعرف بيهوه ونحبه، ويتم ذلك عن طريق قراءة كلمته لنثق به و نتعلم كيف نؤمن به و بكلمته.

أن الإيمان بالكتاب المقدس باعتباره كلمة يهوه الموحى بها ينمو كلما تعمق الإنسان في دراسته، لأنه بالاختبار سيجد مصداقية كلام يهوه تتم في حياته. فالكتاب المقدس يشبع النفس و الروح و يمنح الإنسان الراحة و السلام الناتج عن يقينة غفران الخطايا و رضى يهوه. فالإنسان لن يصبح خائفا أذا أيقن أن يهوه معه طوال الوقت و يحامي عنه. و لإن الكتاب يعلن لنا محبة يهوه العجيبة في بذل أبنه الوحيد لكي يموت عن خطايانا، فيجب أن يكون هذا الموضوع ملهم لنا بالمحبة نحو يهوه الآب والسيد يهوشوه المسيا وبالتالي يقودنا للثقة التامة بكلام يهوه. وهنالك بعض الشروط التي ستساعدنا لفهم الكتاب المقدس عندما نريد ذلك من كل القلب.

أول شرط لفهم الكتاب المقدس هو أن نأتي إلى يهوه إلهنا بقلوب متواضعة و قابلة للتعلم لكي يستطيع أن يعلمنا ويتم ذلك عندما نصلى ليهوه في طلب الأرشاد ومعونة الروح القدس، "لانه هكذا قال العلي المرتفع ساكن الابد القدوس اسمه في الموضع المرتفع المقدس اسكن و مع المنسحق و المتواضع الروح لاحيي روح المتواضعين و لاحيي قلب المنسحقين" (اشعياء 57: 15). ويجب أن نضع أفكارنا وآرائنا جانبا عندما ندرس موضوع معين في الكتاب المقدس، و أذا وجدنا أن آرئنا تختلف عن ما يعلم به الكتاب فلا يجب أن نعوج كلام يهوه الصريح لكي يناسب ما كنا نعتقده سابقا حتى و لو كانت هذه الأفكار معتنقة من كثيرين و لآمد طويل.

والشرط الثاني هو مقارنة الأيات بعضها ببعض والعهد القديمم بالجديد. أيضا يجب أن ندع الكتاب المقدس يفسر نفسه بنفسه، أي عندما نجد آية تعلمنا شيئا يبدو أنه متنافي مع باقي الأيات الأخرى حيال نفس الموضوع فلا يجب أن نتمسك بها وحدها و نترك الأيات الأخرى الأكثر وضوحا. نعلم أنه لا يوجد تناقض في الكتاب و لكن يوجد بعض الأيات التي تظهر غير واضحة من الوهلة الأولى، و لكن عند مقارنتها بالأيات الأخرى نجدها في أنسجام تام، "لمن يعلم معرفة و لمن يفهم تعليما اللمفطومين عن اللبن للمفصولين عن الثدي. لانه امر على امر امر على امر فرض على فرض فرض على فرض هنا قليل هناك قليل" (أشعياء 28: 9، 10).

والشرط الثالث هو أن ندرك بما أن الكتاب المقدس هو كتاب يهوه فيجب أن يفهمنا أياه روح يهوه، لأن أمور يهوه لا يستطيع البشر أن يفهموها بعقلهم المحدود "فاعلنه يهوه لنا نحن بروحه لان الروح يفحص كل شيء حتى اعماق يهوه . لان من من الناس يعرف امور الإنسان الا روح الإنسان الذي فيه هكذا ايضا امور يهوه لا يعرفها احد الا روح يهوه" (1كورنثوس 2: 10، 11). لذلك يجب دائما علينا أن نطلب أرشاد روح يهوه في الصلاة عندما نقوم بدراسة أي موضوع في الكتاب المقدس. أيضا يجب أن تكون عندنا رغبة خالصة لمعرفة الحق و العمل به عندما نجده. يجب أيضا أن نقضي بعض الوقت لدراسة الكتاب المقدس و نفتش و نبحث لكي نكتشف الكنوز الموجودة بداخله قارنين الأية بالأية و العهد القديم بالجديد، لنكون كأهل بيرية الشرفاء الذين كانوا كل يوم فاحصين الكتب لكي يعلموا الحق، "و اما الاخوة فللوقت ارسلوا بولس و سيلا ليلا الى بيرية و هما لما وصلا مضيا الى مجمع اليهود. و كان هؤلاء اشرف من الذين في تسالونيكي فقبلوا الكلمة بكل نشاط فاحصين الكتب كل يوم هل هذه الامور هكذا" (اعمال 17: 10، 11).

الشرط الرابع هو أن تكون لدينا الرغبة الصادقة لمعرفة مشيئة يهوه عندما ندرس الكتاب المقدس، "و تطلبونني فتجدونني اذ تطلبونني بكل قلبكم" (ارميا 29: 13)، "... لانهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا. و لاجل هذا سيرسل اليهم يهوه عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب. لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سروا بالاثم" (2تسالونيكي 2: 9-12).

الشرط الخامس هو أن نتبع ما عرفناه حق من الكتاب المقدس قبل أن نطلب المزيد من الحق لأنه لماذا يعطينا يهوه المزيد و نحن لم نعمل بما قد سبق و اعلنه لنا؟ والثبات على ماتعمناه لكي نعرف الحق حتى نتحرر من الخطأ، "فقال يهوشوه لليهود الذين امنوا به انكم ان ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي. و تعرفون الحق و الحق يحرركم" (يوحنا 8: 31، 32).
الشرط السادس هو ان لا نتستر على خطية معلومة لدينا، "ان راعيت اثما في قلبي لا يستمع لي يهوه" (مزمور 66: 18)، "من يحول اذنه عن سماع الشريعة فصلاته ايضا مكرهة" (امثال 28: 9). وان نصفح لمن أخطاوا في حقنا وبالمثل نحن ايضا ان نعترف ونطلب غفران من أخطأنا في حقهم حتى يساعدنا يهوه في فهم كلمته، "و اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن ايضا للمذنبين الينا" (متى 6: 12).

الشرط السابع هو مبدأ ثقل الادلة والذي ينبغي أن يسري على كل موضوع ندرسه، أي نجمع كل ما يدعم من أيات لما نؤمن به بخصوص أي معتقد كتابي فى كفة واحدة و في الكفة الأخرى ما يبدو أنه لا يتوافق، عندئذ سيكون هينا علينا أن نعرف ما يجب أن نقبله بعدما نكون قد صلينا و طلبنا إرشاد روح يهوه القدوس لتبصيرنا بالحقيقة. و لكن لنعلم أن يهوه لن يزيل كل أسباب التشكك لأنه يريدنا أن نمارس الإيمان بناء على مبدأ ثقل الأدلة و ليس جميع الأدلة، لأنه لو كان كل موضوع نؤمن به يجب أن يكون مُجاب عليه في كل أيه فلن يصبح هنالك مجال لممارسة الإيمان بما أن كل شيء قد أُجيب عنه سلفا. يجب علينا أن نعترف بأننا بشر ضعفاء ومحدودين، ولا نستطيع أن نفهم يهوه الكلي القدرة و الغير محدود، فلا يجب أن نتعذر عن عدم إيماننا بسبب عدم وضوح بعض الأيات لنا، لإن كل من يتزرعون بالشك و الجدال لن يؤمنوا أبدا.

ونظرا لأن هذه الشروط لا تتطلب أي شهادة جامعية أو منصب عالي أو غنى فحتى أبسط الناس يستطيع أن يفهم كلام يهوه الموجود في الكتاب المقدس أذا توافرت فيه هذه الشروط، لذلك فرح المسيا عندما قال: "احمدك ايها الاب سيد السماء و الارض لانك اخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء و اعلنتها للاطفال" (متى 11: 25).

يخاطبنا يهوه في كلمته الموحى بها، وفيها يعلن صفاتِه بصيغة واضحة جلية إذ يعرّفنا فيها بأعماله العظيمة في فداء الإنسان ويسرد أمامَنا تاريخ الآباء والأنبياء القديسين الذين كانوا تحت الآلام مثلنا وجاهدوا في أحوالٍ كأحواِلنا الصعبة، وولّوا هاربين منهزمين مثلنا، ثم عادوا وتشجعوا وانتصروا بنعمة يهوه، ونحن إذ نراهم نتشجع أيضا في سعينا وراءَ البرِّ، وإذ نقرأ عن اختباراتهم الثمينة وتمتَعهم بالنور والمحبة والبركة، وعن العمل الذي قاموا به بنعمة يهوه وعن الروح الذي أظهروه، يضطرمُ في قلوبنا لهيب الاشتياق إلى أن نقتدي بهم وأن نكون مثلَهم وأن نسير مع يهوه كما ساروا معه.

والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يرينا أن الإنسان يحصل علر البر ويصير كاملا بدراسته للعهد القديم والجديد سواء بسواء، "وانك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة ان تحكمك للخلاص بالايمان الذي في المسيا يهوشوه. كل الكتاب هو موحى به من يهوه و نافع للتعليم و التوبيخ للتقويم و التاديب الذي في البر" (2تيموثاوس 3: 15-16). نرى في (2بطرس 21:1)، "لانه لم تات نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم اناس يهوه القديسون مسوقين من الروح القدس"، الكتاب المقدس كُتب عن طريق أُناس يهوه القديسين المسوقين بالروح القدس لذلك نعلم أن هذه التعاليم جوهرية للخلاص لإن الروح القدس هو هو سواء كان في العهد القديم أو الجديد، وكانوا هؤلاء الكتبة مشهود لهم بإنهم كانوا سالكين في ناموس يهوه بحسب (أشعياء 8: 20)، "الى الشريعة و الى الشهادة ان لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر". من ثم نتعلم أن كل من لا يطيعوا الوصايا العشر فهم ليسوا معلمين للشعب حسب كلمة يهوه، فيجب على كل من يفسر كلام يهوه للناس ان يفعل ذلك بالاستقامة، "اجتهد ان تقيم نفسك ليهوه مزكى عاملا لا يخزى مفصلا كلمة الحق بالاستقامة" (2تيموثاوس 2: 15).

قال السيد يهوشوه عن كتبِ العهد القديم أنّها "هي التي تشهد لي" (يوحنا39:5). ويجب الملاحظة إنه عندما قال المسيا هذا الكلام لم يكن قد كُتب من الكتاب المقدس بعد سوى العهد القديم، "و قال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به و انا بعد معكم انه لا بد ان يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى و الانبياء و المزامير" (لوقا 24: 44)، وما قاله في العهد العتيق يصدق بالأحرى عن كتب العهد الجديد، لأنّ الكتاب المقدس كلّه لا يخبرنا إلا بالفادي الذي بدونه يكون الجنس البشري الهالك عديم الأمل في الحياة الأبدية. إنّ المسيا هو موضوع إعلان يهوه، فمن الكلمة الاولى،"في البدء خلق يهوه السموات والأرض" إلى الأخيرة في الرؤيا "ها أنا آتي سريعا" لا تقرأ إلا عن أعماله ولا تسمع إلا صوتَه، فإذا أردت أن تتعرَّف السيد يهوشوه المسيا عليك بقراءة الكتب المقدسة.

املأ قلبَك إذاً بكلمة يهوه، لأنها الماء الحيّ الذي يروي لظى عطشِك كما أنها الخبز الحيّ من السماء الذي يشبع فرطَ جوعك، ولقد صرح السيد يهوشوه بذلك قائلا: "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم" (يوحنا54:6)، ثم أردف موضحـا معناه "الكـلام الذي أكلـمكم به هـو روح وحياة"، (عدد63)، فكما أن أجسادنا تتغذى وتُبنى مما نتعاطاه من مأكل ومشرب، كذلك أرواحنا أيضا، فإنها تستمد قوة وشجاعة مما نتأمل فيه من الأمور الروحية الأبدية، "فاجاب و قال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم يهوه" (متى 4: 4).

إنّ موضوع الفداء العجيب لمسألة "تشتهي الملائكة أن تطَّلع عليه" وهو سيكون موضوع دراسة المفديين وموضوع ترنمهم وتهللهم مدى الدهور الأبدية. اذاً، أفليس هو الآن جديرا بالتفكير العميق والاعتبار الجدّي الدقيق؟ بلى، لأن محبة المسيا ورحمتَه وتضحيتَه العظيمة من أجلنا لتستلزمُ أعمقَ التأمل وأوفرَ التفكير، بل يجب أن نطيل التبصّرَ في صفاتِ فادينا وشفيعِنا ونديم النظرَ في رسالة ذاك الذي أتى ليخلّص شعبَه من خطاياهم فإن التأملَ في هذه المَواضيع السماوية يقوي محبتَنا ويزيد إيمانَنا ويملأنا ثقة ومحبة، فتصعد صلواتَنا إذ ذاك مقبولةً عند يهوه لأنها تصدر عن ذهن مستنير وعاطفة مضطرمة وثقة ثابتة بيهوشوه واختبارٍ حيّ في قوته القادرة أن تخلّص"إلى التمام الذين يتقدمون به إلى يهوه".

عندما نتأملَ مليّاً في كمالات المخلص يتولّد فينا شوقٌ شديدٌ إلى تغييرٍ كاملٍ وتجديدٍ شاملٍ لنشترك في قداسته وطهارته، ذلك لأننا نزداد جوعا وعطشا إلى التشبّه به، حتى إذا صار الفادي الموضوعَ الشاغلَ في أفكارنا نلهج به في كلامنا ونظهره للعالم في حياتنا وأعمالنا.

هذا وليست الكتب المقدسة للعلماء فقط، بل قد خُصصت أيضا لعامة الناس وجاءت فيها الحقائق العظمى بشأن الخلاص واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار حتى لا يخطيء أحدٌ الطريقَ ولا يضلّ عن سَواءِ السبيل إلاّ من استقلّ برأيه وحاد عمداً عن مشيئة يهوه المعلنة الجلية.

يجب ألا نكتفي من شهادة إنسان ما بما يقول الكتاب المقدس، بل يجب أن نطالعَ كلمة يهوه بأنفسِنا، لأن اتكالنا على دراسة غيرنا يفلّ نشاطَنا ويُميت مواهبنا ويُضعف فينا القوى العقلية الثمينة التي لا تنمو إلا باستخدامها في مواضيع سامية يتطلب استيعابها مجهودا عظيما متواصلاً، واذا حدث ذلك نفشل في ادرك معنى كلمة يهوه، إنّ العقل إذا استُعمل في درس مواضيع الكتب المقدسة وفي مقابلة الآية بالآية ومقارنة الروحيات بالروحيات ليتسَّع اتساعا عجيبا بّينا.

ليس ما يقّوي الإدراك مثلُ درسِ كلمة يهوه، وليس ما يرفع الأفكار ويكسب العقل حذاقة مثل التأمل في الحقائق الكتابية العميقة المهذبة، فلو درسِ الإنسان الكلمةَ كما يجب لوجد فيها سعةَ عقلٍ وسموَ أخلاقٍ وثباتَ وعزمٍ قلما نراها في هذه الأيام.

على أنّ الفائدةَ من قراءة الكتاب المقدس قراءةً عاجلةً بدون تروٍ ضئيلةٌ جدا، فقد يقرأ المرء الكتابَ كله، من التكوين إلى الرؤيا، ولا يرى شيئا من جماله ولا يسبرَ شبرا من غوره، وأما إذا أطال التأمل في آية واحدة فقط إلى أن يدرك معناها ويفهم مغزاها في تدبير الخلاص فيستفيد أكثر بكثير مما لو تلا فصولا عديدة دون هدف ولا منفعة، إذن خذ كتابك معك واقرأ فيه كلما وجدت لذلك فرصة سانحة، واستذكر آياتِه التي تقرأها لأنه من الممكن أن تتأمل في الآيات وأنت ماشٍ في الشارع فتثبتها في ذاكرتك.

إننا لن نصير ذوي حكمة إلا اذا أعرنا الكتاب المقدس التفافا جديا ودرسناه دراسة مصحوبة بالصلاة، لأنه، وإن كان في الكتاب فصول لا يخطيء أحدّ في فهمها إلا أنّ فيه أيضا فصولا ذات معنى عميق بعيد الغور، لا يسهل فهمُها لأولِ وهلة، فيجب إذن مقارنة الآيات بالآيات مع توخّي الدقة في البحث والتعمق في التفكير والصلاة، وبذلك تعود علينا دراسةُ الكتاب المقدس بالخير العميم والنفع الجزيل، فكما يبحث المعِّدن عن الأحجار الثمينة في جوف الأرض، هكذا يجب أن ننقّب في كلمة يهوه عن كنز ثمين حتى نجد فيها حقائق ذات قيمة عظمى مما قد أخفيَ عن عيون كثيرين من الذين يقرأون الكتاب قراءة عجلى، فإنّ كلمة الوحي إذا وعيناها في قلوبنا وتدبرناها كانت بمثابة جداول تتدفق من ينبوع الحياة.

وحذار من الإقدام على دراسة الكتاب دون أن تستعين بالصلاة، فقبل أن تتصفحه يجب أن تطلب الاستنارة من الروح القدس، ومتى طلبت فلا بد من أن تنال، فإن السيد يهوشوه حين رأى نثنائيل مقبلا اليه قال عنه "هوذا إسرائيلي حقا لا غش فيه، فقال له نثنائيل من أين تعرفني، أجاب يهوشوه وقال له قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك" (يوحنا 1: 47، 48)، فيهوشوه الذي رأى نثنائيل وهو يصلّي تحت التينة يراك أيضا وأنت تصلّي في مخدعك إن كنت تتلّمس منه النور لمعرفة الحق، بل إنّ ملائكة النور أنفسهم سيرافقونك ويأخذون بيدك إن كنت تطلب الهداية والإرشاد بروح الاتضاع والانقياد.

إنّ عمل الروح القدس هو أن يعظّم المخلّص ويمجّدَه إذ أن الروح هو الذي يقدّم لنا المسيا وبرَّه وخلاصَه كما قال السيد يهوشوه عنه "ذاك يمجدني لأنّه يأخذ مما لي ويخبركم" (يوحنا14:16)، فإنما روح الحق دون سواه هو المعلّم المؤثّر الذي يستطيع أن يعلّمنا الحق الإلهي.

فيا لعظم تقدير يهوه لجنسنا البشري، إذ أعطانا ابنه ليبذل حياتَه لأجلنا ووهبنا الروح القدس ليكون معلمنا الذي يستطيع أن يعلّمنا الحق الإلهي.

(المرجع لهذا الدرس كتاب طريق الحياة، صفحة 75- 79).

 
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
4
2
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
06
26
Calendar App