ملأ نبأ سقوط الإنسان أرجاء السماء حزنًا ، فالعالًم الذي خلقه يهوه ضربتْه لعنة الخطية ، وأمسى ساكنوه خلائق محكومًا عليها بالشقاء والموت ، ولم يُرَ باب لنجاة من قد تعدّوا الشريعة ، وكفّ الملائكة عن ترديد أغاني الحمد، وفي أرجاء السماء ساد الحزن والنوح بسبب الدمار الذي أحدثته الخطية.

وابن يهوه، سيّد السماء المجيد، امتلأ قلبه بالإشفاق على البشرية الساقطة، فإذ رأى هول الويلات التي حلّتْ بالعالم الهالك تحرّك قلبُه باللطف الذي لا يُحدّ، وابتكرتْ محبة يهوه تدبيرًا به يُمكن افتداء العالم. إنّ شريعة يهوه التي انتُهكت كرامتُها تطلب موت الخاطئ، وفي كلّ الكون لم يكن غيرُ واحد يمكنه أن يتمّم مطاليب الشريعة كنائب عن الإنسان، وحيث أنّ شريعة يهوه مقدّسة مثله تمامًا فالذي يكفّر عن خطايا العالم ينبغي أن يكون معادلاً ليهوه، ولم يكن أحد غير المسيح يستطيع أن يفتدي الإنسان الساقط من لعنة الناموس ويعيده إلى حالة الوفاق مع السماء. وقد رضي المسيح أن يأخذ على نفسه ذنب الخطية وعارها- الخطية الكريهة لدى إله قدّوس إلى حد أنها تفصل الآب عن ابنه، ورضي أن ينحدر إلى عمق أعماق الشقاء لينقذ البشريّة الهالكة.

دافع المسيح عن الإنسان الخاطئ أمام الآب، بينما انتظر جند السماء النتيجة باهتمام بالغ لا يمكن التعبير عنه بالكلام، واستغرقت تلك المشاورة السريّة وقتاً طويلاً- وهي"مَشُورَة السَّلاَم" (زكريا 6: 13) لأجل بني الإنسان الساقطين. على أنّ تدبير الخلاص هذا كان قد أعِدّ قبلما خُلقت الأرض، لأنّ المسيح هو "الحمل المذبوح منذ إنشاء العالم"* (رؤيا 13: 8). ومع هذا فقد كان ذلك صراعًا مع ملك الكون نفسه، أن يبذل ابنه ليموت عن جنسنا. "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ يهوه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 16). آه ما أعظم سر الفداء، وما أعجب محبة يهوه لعالم لم يحبّه ! من ذا الذي يستطيع أن يسبر أعماق هذه المحبة"الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ" ؟ ومدى أجيال لا نهاية لها إذ تحاول أفهامُ الأبرار في سماء الخلود إدراك سرّ تلك المحبة الفائقة الإدراك، سيتعجّبون ويقدّمون للعلي عبادتهم وسجودهم.

كان لا بدّ أن يتجلّى يهوه في المسيح "مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ" (2كورنثوس 5: 19) لقد انحدر الإنسان إلى أدنى دركات الانحطاط بسبب الخطية، بحيث صار من المستحيل عليه العودة بقوّته الذاتيّة إلى حال الانسجام والوفاق مع ذاك الذي طبعُهُ الطهارةُ والصلاح ، ولكن المسيح بعدما افتدى الإنسان من دينونة الشريعة أمكنه أن يضيف إلى مجهود الإنسان قدرته الإلهية، وهكذا بالتوبة إلى يهوه والإيمان بالمسيّح أمكن أبناء آدم الساقطون أن يصيروا "أَوْلاَدُ...[يهوه]" (1يوحنا 3: 2).

إنّ التدبير الذي به، دون سواه، يمكن أن يتمّ الخلاص قد شمل كلّ السماء في تضحيتها غير المحدودة، فالملائكة لم يستطيعوا أن يفرحوا  أو يتهلّلوا حين بسط المسيح أمامهم تدبير الفداء، لأنّهم رأوا أنّ خلاص الإنسان لا بدّ من أن يكبدّ قائدهم الحبيب ويلاتٍ هائلة لا يمكن وصف قسوتُها، ففي حزن ودهشة أصغوا إليه يحدّثهم كيف أنّه سينزل من سماء الطهارة والسلام والفرح والمجد والخلود ليحتكّ بانحطاط الأرض، ليتحمّل أحزانها وأقذارَها ويكابد عارَها وموتها، كان لا بدّ له أن يحُول بين الخاطئ وقصاص خطيته، ومع ذلك فقليلون هم الذين سيقبلونه على أنّه ابن يهوه. كان عليه أن يتخلّى عن مركزه كمن هو سلطان السماء وبهاؤها وجلالُها ويظهر على الأرض في حالة وضيعة كإنسان، ويختبر بنفسه الأحزان والتجارب التي كان على الإنسان أن يحتمّلها. كان كلّ ذلك لازمًا وضروريًا له لكي يقدر أن يعيّن المجرّبين (عبرانيين 2: 18). ومتى انتهَت مهمّته كمعلّم يجب أن يُسلَّم لأيدي الأشرار ويتعرّض لكلّ صنوف الإهانة والتعذيب التي يمكن أن يوحي إليهم الشيطان بإيقاعها عليه، ويموت أقسى ميتة، معلّقاً على صليب بين السماوات والأرض كخاطئ مجرم، ويمرّ في ساعات عذاب طويلة ورهيبة جدّاً حتى أنّ الملائكة لا يستطيعون مشاهدة ذلك المنظر، فيغطّون وجوههم حتى لا يروه. وعليه أن يجوز في عذاب نفسي رهيب إذ يحجب الآبُ وجهَه عنه حين يستقرّ عليه جرم الخطية-أي أحمال خطايا العالم كله.

سجد الملائكة عند قدمَي سيّدهم ورئيس جندهم، وقدّموا أنفسهم ليكونوا ذبيحة لأجل الإنسان، ولكنّ حياة أيّ ملاك لا يمكنها أن تفي الدين، أمّا ذاك الذي جبل الإنسان فهو وحده الذي يستطيع أن يفتديه. ومع ذلك فقد كان على الملائكة أن يقدّموا بعض الخدمات في تدبير الفداء. وكان لا بدّ أن يوضع المسيح"قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ ... مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ" (عبرانيين 2: 9) وحيث أنّه سيتّخذ طبيعة بشريّة فقوّته لن تكون في مثل قوة الملائكة، فعليهم أن يخدموه ويقوّوه ويسكنّوا اضطراب نفسه حين يقاسي الآلام، كما كان عليهم أن يكونوا أرواحًا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص (عبرانيين 1: 14) ولا بدّ لهم أن يحرسوا أبناء النعمة من قوّة الملائكة الأشرار ومن الظلمة التي ينشرها الشيطان حولهم.

إنّ الملائكة حين يشاهدون آلام سيدهم وإذلاله تمتلئ قلوبهم حزنًا ويتملّكهم الغضب ويتمنّون لو يُسمح لهم أن ينقذوه من أيدي قاتليه. ولكنّه غير مسموح لهم أن يتدخّلوا ليمنعوا وقوع شيء ممّا يرونه. فإنّ هذا كلّه جزء من تدبير الفداء، إنّ المسيح ينبغي له أن يتحمّل الازدراء والإهانة من الأشرار، وقد ارتضى هو نفسه بذلك كلّه حين صار فادي البشر.

أكّد المسيح لملائكته أنّه بموته سيفتدي كثيرين، وسيبيد ذاك الذي له سلطان الموت، وسيسترجع الملك الذي أضاعه الإنسان بعصيانه، وسيرثه المفديّون مع سيّدهم ويسكنون هناك إلى الأبد، ولن تعود الخطية والخطاة بعد لتعكير صفاء السماء أو لإزعاج سلام الأرض، لأنّ الخطية والخطاة سيُمحون إلى الأبد، وقد أمر المسيح الجندَ السماويين أن يكونوا على وفاق مع التدبير الذي قبله الآب، وأن يفرحوا لأنّه بموته سيتصالح الإنسان الخاطئ مع يهوه.

حينئذ ملأت أرجاء السماء أفراح لا يمكن وصفها. إنّ مجد العالم المُفتدى وسعادته فاقت حتى آلام رئيس الحياة وموته، وفي كلّ الأرجاء العُلويّة رنّ صوت ذلك اللحن وتلك الأغنية التي كانت ستُسمع أنغامُها فوق تلال بيت لحم- "الْمَجْدُ...[ليهوه] فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لوقا 2: 14) . وبنغمة فرح أعمق مما حدث عند الخليقة الجديدة "تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي...[يهوه]" (أيوب 38: 7).

إنّ أوّل إشارة إلى الفداء قد أبلغت الإنسان بحكم يهوه الذي أوقعه على الشيطان في الجنة. فلقد أعلن يهوه قائلاً: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تكوين 3: 15). فهذا القول الذي نطق به يهوه في مسامع أبوينا الأولين كان بمثابة وعد بالنسبة لهما. فإذ أنبأ بقيام حرب بين الإنسان والشيطان أعلن أنّ قوة ذلك الخصم العظيم ستُسحق نهائيّاً. لقد وقف آدم وحواء كمذنبَين أمام الديّان العادل، منتظرَين الحكم الذي أوجبه عليهما تحدّيهما، ولكن قبلما حكم عليهما بحياة كلّها كدّ وعناء وحزن وشقاء، وقبلما حُكم عليهما بأنّهما سيعودان إلى التراب أصغيا إلى هذا الوعد الذي أنعش قلبيهما بالرجاء. فمع أنّهما لا بدّ من أن يقاسيا من قوّة عدوّهما الجبّار فقد كانا يتطلّعان إلى النصرة النهائية.

وحين سمع الشيطان أنه ستقوم عداوة بينه وبين المرأة وبين نسله ونسلها أيقن أنّ عمله في إفساد الجنس البشري سيتعطّل ويتوقّف، إذ أنّ الإنسان ، بوسيلة أو بأخرى ، سيكون قادراً على مقاومة سلطانه. ولكن حين أعلن تدبير الخلاص كاملاً فرح الشيطان وجنوده لكونه، إذ تسبب في سقوط الإنسان ، أمكنه أن يُنزل ابن يهوه من مرتبته ومقامه العظيم، وأعلن أنّ خطّته، حتى ذلك الحين، قد نجحت في الأرض، وأنّ ابن يهوه حين يتخذ طبيعة بشرية قد ينهزم هو أيضاً، وهكذا لن يتم فداء الجنس الساقط.

وقد أعلن ملائكة السماء لأبوينا الأولين بوضوح أكثر التدبير الذي رسم لخلاص البشرية. وأكّدوا لآدم وشريكته أنّه بالرغم من خطيّتهما العظيمة فالسيد لن يتخلّى عنهما تاركاً إيّاهما لسلطان الشيطان، لأنّه قد تطوّع ابن يهوه لأن يكفّر عن معصيتهما ببذل حياته، وأنّه أعطيت لهما فترة امتحان، وبالتوبة والإيمان بالمسيح يمكنهما أن يكونا ثانية من أولاد يهوه.

إنّ الذبيحة التي أوجبها عصيانهما كشفت لآدم وحواء صفة القداسة التي لشريعة يهوه وقد رأيا، كما لم يريا من قبل، جرمَ الخطية ونتائجها الرهيبة، وفي حزن وانسحاق طلباً ألا يقع القصاص على ذلك الذي كانت محبته نبع أفراحهما بل أن يقع بالحري عليهما وعلى نسلهما.

وقد قيل لهما أنّه حيث أنّ شريعة السيد هي أساس حكمه في السماء كما على الأرض، فحتى حياة ملاك لا يمكن قبولها ذبيحة عن التعدي عليها. ولا يمكن تغيير أو إلغاء جزء ولو صغير من تلك الشريعة ليناسب الإنسان في حالته بعد السقوط، ولكنّ ابن يهوه الذي خلق الإنسان يمكنه أن يصنع كفارة عنه، فكما أنّ معصية آدم قد جلبت الشقاء والموت، فكذلك ذبيحة المسيح ستأتي بالحياة والخلود.

وليس الإنسان وحده هو الذي وقع تحت سلطان الشرير، ولكن حتى الأرض أيضاً بسبب الخطية خضعت لسلطانه، وكان لابدّ أن ترد بالفداء. إنّ آدم بعدما خلق أقيم سيّداً على الأرض، ولكنه إذ انهزم أمام التجربة صار تحت سلطان الشيطان، "لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ، فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا " (2بطرس 2: 19) وبعدما صار الإنسان أسيرًا للشيطان انتقلت السيادة منه إلى آسره، وهكذا صار الشيطان "إِلهُ هذَا الدَّهْرِ" (2كورنثوس 4: 4) لقد اغتصب السلطان الذي كان قد أعطي لآدم على الأرض، ولكن المسيح إذ حمل قصاص الخطية بذبيحته فهو لا يفتدي الإنسان فقط بل سيعيد إليه سلطانه الذي قد أضاعه، فكلّ ما خسرناه في آدم الأوّل سنسترجعه في آدم الثاني. يقول ميخا النبى: "وَأَنْتَ يَا بُرْجَ الْقَطِيعِ، أَكَمَةَ بِنْتِ صِهْيَوْنَ إِلَيْكِ يَأْتِي. وَيَجِيءُ الْحُكْمُ الأَوَّلُ" (ميخا 4: 8) وبولس الرسول يشير إلى المستقبل إلى "فِدَاءِ الْمُقْتَنَى" (أفسس 1: 14). لقد خلق يهوه الأرض لتكون مسكناً للخلائق المقدسة السعيدة. إنّ السيّد هو "مُصَوِّرُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ قَرَّرَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلاً. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا" (إشعياء 45: 18). وسيتمّ ذلك القصد حينما تصبح الأرض مسكن المفديين الأبدي بعدما تتحرّر، بقوّة يهوه، من الخطية والحزن: "الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ" (مزمور 37: 29) "وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ. وَعَرْشُ يهوه وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا ، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ" (رؤ يا 22: 3).

لقد تمتّع آدم وهو في حال الطهارة باتصال مباشر بجابله، ولكنّ الخطية فصلت بين يهوه والإنسان. إلا أنّ كفّارة المسيح أقامت جسرًا على تلك الهوة، وجعلتْ من الممكن إيصال البركة والخلاص من السماء إلى الأرض. كان الإنسان لا يزال محظورًا عليه الدنوّ المباشر من خالقه، ولكنّ يهوه أراد أن يتّصل به عن طريق المسيح والملائكة.

وهكذا أُعلنت لآدم حوادث هامة في تاريخ البشرية منذ الوقت الذي فيه نطق يهوه بحكمه في الجنة إلى الطوفان، ثم إلى مجيء ابن يهوه أوّل مرّة. وقيل له إنه مع كون ذبيحة المسيح ذات قيمة عظيمة كافية لتخليص العالم كله فإنّ كثيرين سيفضّلون حياة الخطية على حياة التوبة والطاعة. وستزيد الجرائم في الأجيال المتعاقبة، وستستقر لعنة الخطية بأكثر قوة وقسوة على الجنس البشري، وعلى البهائم والأرض، وستقصّر أيام حياة الإنسان بسبب الخطية التي سيختارها، وسيصيب جسمه التشويه والضعف ، كما ستضعف قواه الأدبية والذهنية، وقوته على الاحتمال، حتى تمتلئ الأرض من كلّ ألوان الشقاء وبسبب انغماس الناس في النهم والشهوات لن يقدّروا الحقائق العظيمة الخاصة بتدبير الفداء، ومع ذلك فالمسيح لكونه أميناً وحريصاً على إتمام القصد الذي لأجله ترك السماء سيظلّ على اهتمامه بالناس وسيواصل دعوته إيّاهم لأن يأتوا إليه ويخفوا ضعفاتهم ونقائصهم فيه. وهو سيسدّد احتياجات كلّ من يأتون إليه بالإيمان. والذين يحفظون معرفة يهوه ويظلّون طاهريّ الذيل في وسط تيار الإثم الجارف سيكونون قليلي العدد.

وقد رسم يهوه نظام الذبائح الكفارية لتكون مذكّرًا دائما للإنسان واعترافًا منه بتوبته عن خطيته وبإيمانه بالفادي الموعود به، وكان القصد من تلك الذبائح ترسيخ هذا الحق في عقول الناس الساقطين وقلوبهم، وهو أنّ الخطية هي علّة الموت. وقد أحسّ آدم بألم وحزن بالغَين عندما قدمت أول ذبيحة، إذ كان لا بدّ ليده من أن ترتفع لتنتزع الحياة التي لا يعطيها غير يهوه. كانت تلك أوّل مرّة شاهد فيها الموت، وعرف أنّه لو ظلّ مطيعًا ليهوه لما مات إنسان أو حيوان، وعندما ذبح أول ذبيحة ارتجّت نفسه عندما برق في ذهنه هذا الخاطر وهو أن خطيته لا بدّ أن تسفك دم حمل يهوه الذي بلا عيب. وهذا المنظر جعله يحسّ إحساسًا أوضح وأعمق بهول معصيته التي لا يمكن أن يكفّر عنها غير موت ابن يهوه الحبيب. وقد ملكته الدهشة وهو يتأمّل في صلاح يهوه غير المحدود الذي يقدم هذه الفدية الفادحة الكلفة لكي يخلص الأثمة، ولمع في سماء حياته نور الرجاء الذي بدّد غياهب المستقبل المظلم المرعب وخفف من وحشته وكآبته.

غير أنّ تدبير الفداء كان له غرض أوسع وأعمق من خلاص الإنسان. لم يكن هذا هو القصد الوحيد الذي لأجله أتى المسيح إلى الأرض، لم يكن القصد الوحيد هو مجرّد أن ينظر سكّان كوكب الأرض الصغير هذا إلى شريعة يهوه بعين الاعتبار كما ينبغي، ولكنّ القصد كان تبرير صفات يهوه وتزكيتها في أعين سكان الكون كلّهم. ولأجل هذه الغاية من ذبيحته العظيمة- أي تأثيرها في عقول الكائنات العاقلة في كلّ العوالم كما في الإنسان، كان المخلّص ينظر إلى الأمام حين قال قبل صلبه: "اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يوحنا 12: 31، 32). إنّ عمل المسيح في كونه مات لأجل خلاص الإنسان ليس فقط يسهّل طريق وصول الناس إلى السماء، بل يبرّر يهوه أمام سكان الكون أجمعين، يبرّر يهوه وابنه في كيفية معاملتهما لعصيان الشيطان، ثمّ أنّ موت المسيح يُثبت دوام شريعة يهوه ويكشف عن طبيعة الخطية وعواقبها.

لقد كان النزاع من البدء حول شريعة يهوه. فلقد حاول الشيطان أن يبرهن أنّ يهوه ظالم، وأنّ شريعته مخطئة، وأنّه ينبغي تغييرها لأجل خير الكون. وفي مهاجمته للشريعة كان يرمي إلى هدم سلطان واضعها. وفي هذا النزاع لابدّ من البتّ فيما إذا كانت شريعة يهوه ناقصة وعُرضة للتغيير أم كاملة لا تتغير.

ولمّا طُرد الشيطان من السماء عوّلَ على جعل العالم مملكة له، ولما جرّب آدمَ وحوّاءَ وانتصر عليهما ظنّ أنّه قد ملك زمام العالم قائلاً: "إنّهم قد اختاروني ملكًا عليهم". وقد ادّعى أنّه لا يُمكن أن يمنح الغفران للخاطئ، ولذلك فكلّ الجنس البشري صاروا رعاياه الشرعيين، وصار العالم ملكاً له. ولكنّ يهوه بذل ابنَه الحبيب المساوي له، ليتحمّل قصاص العصيان، وبذلك أعدّ طريقة بها يستعيد الإنسان نوال رضا يهوه فيُعاد إلى بيته في جنة عدن. وقد أخذ المسيح على نفسه أمر فداء الإنسان وتحرير العالم من قبضة الشيطان. وذلك النزاع الذي بدا في السماء كان لا بدّ أن يتقرّر في نفس العالم ونفس الميدان الذي ادعى الشيطان أنّه ملكه.

والذي أدهش الكون كلّه أنّ المسيح وضع نفسه لكي يخلّص الإنسان الساقط، فكون ذاك الذي سار من نجم إلى آخر ومن عالم إلى آخر وهو مشرف على الكلّ وبعنايته يسدّ أعواز كلّ خلائقه في الكون الواسع- كونه يرتضي التخلي عن مجده واتخاذ الطبيعة البشرية- كان هذا سرّاً تاقت عقول الأبرار في العوالم الأخرى إلى أن تتفهمه وتسبر غوره. وحين أتى المسيح إلى عالمنا في صورة إنسان اهتمّ الجميع أعظم اهتمام في تأثّر خطواته وهو يسير خطوة فخطوة في الطريق المخضّب بالدم من المذود إلى جلجثة. وقد لاحظت السماء كلّ إهانة وكلّ سخرية وقعت عليه، وعرفَت أنّ ذاك كلّه بتحريض من الشيطان، ولاحظوا أيضًا عمل القوات المضادّة يتقدّم، فكان الشيطان يضغط بالظلمة والأحزان والكلام على الجنس البشري، بينما كان المسيح يعمل عكس هذا، وكذلك لاحظوا المعركة بين النور والظلمة حين حمي وطيسُها. وحين صرخ المسيح وهو يعاني سكرات الموت قائلاً : "قَدْ أُكْمِلَ" ( يوحنا 19: 30) ارتفعَت هتافات الانتصار من كلّ العوالم ومن السماء نفسها. وذلك النضال الذي طال أمده في هذا العالم تقرّر الآن مصيره، وانتصر المسيح، الذي أعلن موته ما إذا كان في قلب الآب والابن محبّة للإنسان كافية تدفعهما إلى إنكار الذات والتضحية. وقد كشف الشيطانُ عن أخلاقه على حقيقتها، فتبرهن أنّه كذاب وقاتل، وظهر أنّ نفس الروح التي كان قد سيطر بها على بني الإنسان الذين كانوا تحت سلطانه، كان سيظهرها لو سُمح له بأن يسيطر على الكائنات السماوية. فبصوت واحد اتّحدت المسكونة المخلصة ليهوه في تمجيد سياسته الإلهية.

لو أمكن تغيير الشريعة لأمكن خلاص الإنسان بدون ذبيحة المسيح، ولكن حقيقة كونه لازماً جدّاً أن يبذل المسيحُ حياتَه لأجل الجنس الساقط تُبرهن على أنّ شريعة يهوه لا يُمكن أن تعفي الخاطئ من مسؤولية حفظها. ولقد أعلن أنّ أجرة الخطية هي موت، فحين مات المسيح أصبح هلاك الشيطان أمراً مؤكّداً، ولكن لو أنّ الناموس أبطل عند الصليب، كما يدّعي كثيرون، إذاً فآلام ابن يهوه الحبيب وموته يكون القصد من احتماله إيّاها إعطاء الشيطان ما طلبه، وأنّ سلطان الشرّ قد انتصر، وثبّتت كلّ اتّهاماته ليهوه في حكمه. إنّ نفس حقيقة كون المسيح حمل قصاص عصيان الإنسان هي حجّة قويّة للعقل البشري بأنّ الشريعة لم ولن تتغيّر، وأنّ يهوه بارّ ورحيم ومنكر لنفسه، وأنّ العدل والرحمة غير المحدودين يتلاقيان ويتّحدان في سياسته وحكمه.

_________________________ 

*طبعة سنة 1878 .

التعليقات (7)add comment
جابر احمدعبدالرحمن
جابر احمدعبدالرحمن: بورسعيد
اني اطلع واقرا للمزيد من المعرفه مع احترامي لجميع الاديان اهل كتاب الاسلام المسيحيه اليهوديه وليس من الصح تعليق اي شخص لان التعليق محرم ولا يجوز إللا للحورات والاخبار والرياضه إني آسف أذا كنت اسرت في الرائي
1

تـمـوز 14, 2012
esam rushdy
esam rushdy: ...
عظيم هو سر التقوى الخالق ظهر من دافع محبته لاستعاده المفقود وتحريره من سلطان الشر واعادته الى حضن الخالق المحب لكن الاشرار يخافون من لقاء الخالق ويصدقون قول نبيهم من انه لا يامن مكر الخالق لقد ورد فى كتابهم ان الخالق يكفر عن سياتهم فهل يستطيع احد ان يخبرنى كيف ؟
2

نيسـان 07, 2012
سامح جرجس
سامح جرجس: تعليق على تعليق الأخ رجب ابراهيم: انتقدات فى ثوب الخلاص
الأخ العزيز رجب،
السلام لك ونصلي ان تكون بخير وسلام. لقد ذكرت حضرتك امور كثيرة ولكن نرد على اهمها. بالفعل لقد كان المسيح بكل شيء وهو في السماء لما سيحدث له عند الصليب وعندما قال على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني" فقد كان في هذا الوقت يعامل كمجرم لذلك حجب الآب وجهه عنه فالموضوع لم يكن مسرحية تمثيلية ولكن بالفعل كان المسيح كل البشرية لكي يستطيع إنقاذ البشر لذلك احس بكل ما يحس به البشر.
الكتاب المقدس لا يعلم تعليم الثالوث بل يعلم انه هنالك إله واحد وهو يهوه الآب السماوي وله ابن واحد وهو سيد البشر ومخلصهم يهوشوه المسيح. الآب والابن بحسب الكتاب المقدس لهما حق العبادة لأن لهما الطبيعة الإلهية.
الكتاب المقدس يعلم ان الجميع فعلوا الخطية لذلك توجب موت الجميع ولكن المسيح كفر وفدى الجميع ولكن ليس الجميع سيخلص، الذي سيخلص هو من قبل المسيح كمخلص شخصي له من الخطية والموت وايضا يبنغي ان يكون تاب عن الخطية وتوقف عن فعلها.
يباركك يهوه مع عائلتك.
في محبة المسيح.
سامح وهيب - فريق إنذار
3

كانون الثاني 26, 2012
حنان
hanan youssef: ...
كل الشكر علي المجهود الرائع
4

كانون الأول 21, 2011
مصطفى زنزن
مسلم موحد بالله .: رد الخطة السحرية
(ياابتى لما شبقتنى او لما تركتنى ) فهل هذا كلام واحد كان يعلم ما سيحدث له وهل كان يعلم بتدخل ابيه فى الوقت المناسب ولكن ابيه تخلى عنه. ان الموضوع الخلاص هذا موضوع يمكننى ان اكتب فيه الكثير لانه به الكثير من الثقوب والعيوب ولا يصدقه احدا اعطاه الله قليل من العقل.


يا أخى والله انهم لا يعقلون

وتقرأ هنا على صفحات هذا الموقف طرائف وكلام لا يصدقه طفل وليس من يتمتع بقليل من العقل

فقد نشأ هؤلاء على ما ارضعتهم اياه الكنائس من الضلال
حتى انهم يختلفون فيما بينهم فى العقائد الغريبه والمريبة

خطة الخلاص والإبن تبرع بالنزول ليخلص البشريه
والإبن ضحى بنفسه
ورجع يصرخ وهو على الصليب

وفى رواية اخرى يقول لهم .. انا لست هو انتم تقولون اننى هو ولكننى لست هو

شوف يا اخى الكلام

بالله عليك ده يرضى مين التخاريف اللى بيقولوها , والأدهى انهم بيصدقوها وبيضحوا بأخرتهم عشانها وهما مش مقتنعين بيها اصلاً

لا حول ولا قوة الا بالله

يارب اهديهم وابصرهم طريق الحق يارب
5

تـمـوز 24, 2011
حنان
hanan youssef: ...
تحتاج للقراءة اكثر من مرة شكرا
6

حزيران 07, 2011
رجب ابراهيم
رجب ابراهيم: انتقدات فى ثوب الخلاص
والله ان هذا الكلام لو تعقلوه لما قلتموه فبعد كل المقال الطويل هذا وقد قرأته كلمة كلمة اسألكم ان كان الابن يعلم كل شىء عن الخلاص قبل ارساله الى العالم ويعلم ما سيحدث له فلما قال قولته المعروفة وهو على الصليب ومن كتابكم المقدس ومن فمك ادينك لما قال

(ياابتى لما شبقتنى او لما تركتنى ) فهل هذا كلام واحد كان يعلم ما سيحدث له وهل كان يعلم بتدخل ابيه فى الوقت المناسب ولكن ابيه تخلى عنه. ان الموضوع الخلاص هذا موضوع يمكننى ان اكتب فيه الكثير لانه به الكثير من الثقوب والعيوب ولا يصدقه احدا اعطاه الله قليل من العقل.

ان الله غفور رحيم وقد غفر الله ذنب من فعل الذنب وانتهى الموضوع عند صاحبه وان من صفات الله المغفرة والرحمة . وماذا عن الانبياء الذين سبقوا السيد المسيح هل سيذهبون الى الجحيم . ولماذا انتظر الله كل هذا الوقت حتى يرسل بالابن كما تزعمون.

واين كان المسيح مدة الثلاثون عاما قبل بداية دعوته التى لم تمكث اكثر من ثلاثة سنوات
ولماذا لم يرسله الله فى سنه هذا بدون ان يرضع ويحتاج الى امرأة ترضعة وتمسح له وتنظفه
فهل الله يحتاج الى بشر. اه نسيت موضوع الناسوت واللاهوت وعملية الازدواج بينهما فمرة ما فعله كان الناسوت ومرة ما فعلة كان اللاهوت وهذا شنودة يقول لما يفارق اللاهوت الناسوت ولا لحظة واحدة الا عند الصلب

ارجوكم ضعوا شىء يمشى مع العقل وربنا يهديكم ويهدينى ويهدى العالم اجمع الى الحق وفى النهاية اقول لكم اتقوا الله وخافوا من يوم تخشع فيه الابصار

ونسيت اقول لكم ان الشيطان مخلوق من مخلوقات الله وليس ندا لله تعالى ولم يحدث ان حارب الله واخذ ثلث الملائكة معه فى حربه ضد الله وهو يعلم علم اليقين من هو الله ومدى قدرته فلا يمكن ان يكون ندا لله تعالى الله عما يقولون

ثم ساعيد عليك السؤال الذى سألته من قبل اين فى العهد الجديد بالتحديد تكلم السيد المسيح عن الخطيئة الاصلية الم يكن من الاجدى ان يقول انما جاء بالفداء من اجل الخطيئة الاصلية وبشرحها لمن حوله الم يكلم العالم الم يعلم فى الهيكل فمن الذى منعة من الحديث فى هذا الموضوع ام تراه كان مكسوفا كما قال شنودة ام تراه كان خائفا من الشيطان لاحسن يكشف اللعبة ارجوا الافادة
7

أيار 20, 2011

أضف تعليق
يرجى منك الدخول للتعليق.اذا لم تكن مسجلا.يرجى التسجيل.

busy
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
28
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
24
Calendar App