المقدّمة

في العدد الاول من الاصحاح الثالث من الرسالة للعبرانيين لدينا كلمة وعظ تشتمل على كل ما هو مطلوب من الإنسان   المسيحي. وهي: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ المسيح يَاهوشوه". ولنفعل هذا كما يأمرنا الكتاب المقدس، بأن نعتبر المسيح بفهم واعي ومستمر، كما هو معلن لنا، هذا سوف يغير الإنسان إلى مسيحي كامل، "لأننا بالنظر نتغير".

إن خدام الانجيل لديهم دعوة إلهية، وهي أن يجعلوا الشعار، الذي هو "المسيح"، دائماً أمام الشعب وأن يوجّهوا الانتباه إليه هو وحده. قال بولس لإهل كورنثوس، "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يهوشوه المسيح وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (1كورنثوس 2: 2)، ولا يوجد هنالك سبب للافتراض بأن وعظ بولس لأهل كورنثوس كان يختلف عن وعظه في أي مكان آخر. وبالفعل، فعندما يقول لنا أن يهوه أظهر ابنه فيه، فذلك تم لكي يستطيع أن يبَشّر به بين الأمم (غلاطية 1: 15، 16) وفرحته كانت في أنّ النعمة قد أعطيت له فقال: "...أُعْطِيَتْ هذِهِ النِّعْمَةُ، أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى المسيح الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى" (أفسس 3: 8).

ولكن حقيقة أنّ الرسل جعلوا من المسيح  عبء كل تبشيرهم ليست هي الضمان الأوحد لتعظيم المسيح . إنّ اسمه (يهوشوه) هو الاسم الوحيد تحت السماء الذي قد أعطي بين الناس لكي نخلص بواسطته. (أعمال 4: 12). المسيح نفسه أعلن أنه لا يستطيع أن يأتى أحد إلى الأب إلا عن طريقه. (يوحنا 14: 6). لقد قال لنيقوديموس، "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 14، 15).

و"رفع" يهوشوه هذا، بينما له إشارة رئيسية لصلبه، فهو يتضمن أكثر من مجرد حقيقة صلبه التاريخية؛ وتعنى أن المسيح يجب أن "يُرفع" بواسطة كل من يؤمنون به، كالفادي المصلوب، الذي تكفي نعمته ومجده لإمداد حاجة العالم العظمى؛ هذا يعنى أنّه يجب أن "يُرفع" في كل محبته الفائضة وقوته "كيهوه معنا"، حتى يتسنّى لجمال صفاته الإلهية أن تجتذب الكل إليه. (أنظر يوحنا 12: 32).

فالتوجيه المعطى لنفكر فى المسيح وأيضا السبب لذلك، معطيان لنا في (عبرانيين 12: 1-3)، "لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يهوشوه، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ يهوه. فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هذِهِ لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ".

فقط  بالتفكير المستمر وبروح الصلاة فى قبول المسيح كما هو مُعلن في الكتاب المقدس يمكننا أن نُحفظ من التعب لعمل الخير ومن خوار العزم في الطريق.

أيضا، ينبغى أن نتدارك المسيح لإنه "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كولوسي 2: 3). ومن تعوزه الحكمة يمكنه أن يسأل يهوه، الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير، والوعد هو أن الحكمة ستعطى له، ولكن هذه الحكمة المرجوة يمكن الحصول عليها فقط بواسطة المسيح. الحكمة التي لا تأتي من المسيح والتي نتجائها لا تقود إليه فهي فقط جهالة، لإن يهوه، كونه مصدر لكل الأشياء، فهو منبع الحكمة؛ فالجهل بيهوه هو أسوء نوع من الغباء (أنظر رومية 1: 21، 22)، وكل كنوز الحكمة والمعرفة مخبأة في المسيح ، لذلك فمن له فقط حكمة هذا العالم،  فهو بالحقيقة لا يعلم شيء. وبما أن كل القوة في السماء وعلى الأرض أعطت للمسيح، فالرسول بولس يعلن عن المسيح  أنه "قُوَّة يهوه وَحِكْمَة يهوه" (1كورنثوس 1: 24).

هنالك آية أخرى، تشتمل على كل ما يعنيه المسيح  للانسان، وتعطينا السبب الكامل لقبولنا أياه. وهي: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالمسيح يهوشوه، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ يهوه وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً" (1كورنثوس 1: 30). فنحن جهلاء، وأشرار هالكين. فالمسيح لنا حكمة، وبر، وفداء. فياله من فرق! من الجهالة والخطية إلى البر والفداء. فأعظم طموح أو أحتياج للانسان لا يقدر أن يصل إلى أبعد من حدود ما يعنيه المسيح لنا وما يعينه هو فقط لنا. ولهذا السبب الكافي جدا يجب على كل العيون أن تتركز عليه.


ماذا يجب أن نعتقد في المسيح؟

ولكن ما هو الذي يجب أن نعتقده في المسيح؟ فقط كما قد أعلن نفسه للعالم، على حسب شهادته التي حملها هو عن نفسه. ففي هذا الحديث الرائع المُسجل لنا في الاصحاح الخامس من انجيل يوحنا، قال المخلّص: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ" (عدد 21-23).

إنّ أسمى امتياز أُعطي للمسيح هو الدينونة. فينبغي أن يحصل على نفس الكرامة التي من حق يهوه، وأيضا لسبب كونه إلها. التلميذ الحبيب يحمل هذه الشهادة عنه، "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ يهوه، وَكَانَ الْكَلِمَةُ يهوشوه" (يوحنا 1:1). وهذا الكلمة الإلهية ليس غير يهوشوه المسيح كما هو موضح فى عدد 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا".

الكلمة كان "فِي الْبَدْءِ". إنّ العقل البشري لا يستطيع أن يدرك طول فترات الأزمنة المتضمنة في هذه الأية. لم تمنح المعرفة للانسان لكي يعلم متى وكيف وُلد الابن؛ ولكننا نعلم أنه الكلمة الإلهية، ليس فقط قبل مجيئه إلى أرضنا ليموت، ولكن بالاحرى قبل خلق العالم. قبيل صلبه صلى المسيح قائلا: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يوحنا 17: 5). فقبل مجيئه الاول بأكثر من سبعمئة عام، تـنبّأ الوحي عن مجيئه: "أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (ميخا 5: 2). نحن نعلم أن المسيح  خرج من قبل الإله وآتى (يوحنا 8: 42)، ولكن هذا الحدث كان بعيد الآمد جدا في الأزمنة الأبدية المُنصرمة حتي يصعب على عقل الإنسان إدراكه.


هل يمتاز المسيح بالألوهة؟

في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس يدعى المسيح  يهوه. يقول المرنم: "إِلهُ الآلِهَةِ يهوه تَكَلَّمَ، وَدَعَا الأَرْضَ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا. مِنْ صِهْيَوْنَ، كَمَالِ الْجَمَالِ، يهوه أَشْرَقَ. يَأْتِي إِلهُنَا وَلاَ يَصْمُتُ. نَارٌ قُدَّامَهُ تَأْكُلُ، وَحَوْلَهُ عَاصِفٌ جِدًّا. يَدْعُو السَّمَاوَاتِ مِنْ فَوْقُ، وَالأَرْضَ إِلَى مُدَايَنَةِ شَعْبِهِ. اجْمَعُوا إِلَيَّ أَتْقِيَائِي، الْقَاطِعِينَ عَهْدِي عَلَى ذَبِيحَةٍ. وَتُخْبِرُ السَّمَاوَاتُ بِعَدْلِهِ، لأَنَّ يهوه هُوَ الدَّيَّانُ. سِلاَهْ" (مزمور 50: 1-6).

للتأكد من أن هذه الأيات تُشير إلى المسيح  يمكننا سرد الآتي:

1- من خلال الحقيقة التي تعلمناها، بأن كل الدينونة قد اُعطت للابن.

2- ومن خلال حقيقة أن المسيح  سيرسل ملائكته عند مجيئه الثاني ليجمع مختاريه من الأربع رياح. (متى 24: 31). "يَأْتِي إِلهُنَا وَلاَ يَصْمُتُ". لإن السيد نفسه عندما ينزل من السماء، سيكون ذلك "بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ يهوه" (1تسالونيكي 4: 16). هذا الهتاف سيكون صوت ابن الإله، الذي سيسمعه كل من هم في القبور والذي ايضا سيقيمهم منها. (يوحنا 5: 28، 29). ومع الأحياء الأبرار سيخطفون لملاقاة السيد فى الهواء، ليكونوا معه فى كل حين، وهذا سيمثل "اجتماعنا إليه" (2تسالونيكي 2: 1). قارن (مزمور 50: 5؛ متى 24: 31، و1تسالونيكي 4: 16).

"نَارٌ قُدَّامَهُ تَأْكُلُ، وَحَوْلَهُ عَاصِفٌ جِدًّا"، لإنه عندما يظهر السيد يهوشوه من السماء مع ملائكته المقتدرين، سيكون ذلك  "فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يهوه، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ سيدنا يهوشوه المسيح" (2تسالونيكي 1: 8). ولذلك نعلم أنّ (مزمور 50: 1-6)، هو صورة واضحة لمجيء المسيح الثاني لخلاص شعبه. عندما يأتي سيكون"الإله القدير"، قارن (حبقوق 3).

فهذا لقب من أحد القابه الشرعية. منذ عهد بعيد قبل مجيء المسيح الاول، نطق النبي اشعياء بهذه الكلمات المُعزية لإسرائيل،"لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (أشعياء 9: 6).

هذه الكلمات ليست على الاطلاق كلمات اشعياء؛ ولكنها كلمات روح يهوه. فيهوه، فى حديث مباشر مع الابن، قد دعاه بنفس هذا اللقب. في (مزمور 45: 6) نقرأ هذه الكلمات، "كُرْسِيُّكَ يَا يهوه إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ". القارئ العادي قد يفهم أنّ هذا مجرد اعتراف صاحب المزامير بحق يهوه فى التسبيح، ولكن عندما نذهب إلى العهد الجديد، نجد الأمر موضح بإسهاب أكثر. نجد أن يهوه الأب هو المتكلم وهو يخاطب الابن، معطيا اياه لقب يهوه. انظر (عبرانيين 1: 1-8).

هذا اللقب أو الاسم لم يُعطَ للمسيح نتيجة لإنجاز ما قد صنعه، ولكنّه ملكه بحق الوراثة. في الحديث عن قوة المسيح  وعظمة، يقول الكاتب إلى العبرانيين إنه قد جُعل أفضل بكثير من الملائكة، لإنه "صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ" (عبرانيين 1: 4). قانونيا يكتسب الابن دائما اسم ولقب أبيه؛ والمسيح ، "كابن وحيد مولود من الآب"، قانونيا يحمل نفس اسم ابيه. فالابن، ايضا، إلى حد كبير أو صغير، يُعتبر نسخة من أبيه؛ فله إلى حد ما الملامح والصفات الشخصية لأبيه؛ ليس بالتمام، لإنه لا يوجد نسخ كامل بين الجنس البشري. ولكن لا يوجد عدم كمال عند يهوه، أو في أي من أعماله، ولذلك فالمسيح هو"رسم جوهر" شخص الآب (عبرانيين 1: 3). فالمسيح كأبن يهوه الذاتي الوجود، له بالطبيعة كل الصفات والخواص الإلهية.

صحيح أنّ يهوه لديه أبناء كثيرون، لكنّ المسيح هو "ابن يهوه الوحيد المولود منه"، ولذلك فهو ابن يهوه بطريقة فريدة لم يحظ َ بها ولن يختبرها أي كائن آخر. الملائكة هم أبناء يهوه، كآدم (أيوب 38: 7؛ لوقا 3: 38)، عن طريق الخلق؛ والمسيحيين هم أبناء يهوه بالتبنّي (رومية 8: 14، 15)، ولكن المسيح هو ابن يهوه بالولادة. الكاتب إلى العبرانيين يوضح بعد ذلك أنّ مركز ابن يهوه لم يكن مركزا ً قد ارتقى إليه المسيح ولكنه كان من حقه قانونيا. فيقول أنّ موسى كان أمينا في كل بيت يهوه، كخادم، "وَأَمَّا المسيح فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ" (عبرانيين  3: 6). وأيضا يُضيف قائلا أنّ المسيح هو باني البيت، عدد 3. "فَهُوَ يَبْنِي هَيْكَلَ يهوه، وَهُوَ يَحْمِلُ الْجَلاَلَ" (زكريا 6: 12، 13).

المسيح  نفسه قد علّم بطريقة لا تحتمل الشك بإنه يهوه. عندما أتى إليه الشاب وسأله: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟" ولكن يهوشوه، قبل أن يجيب عن هذا السؤال المباشر، قال له: "لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ يهوه" (مرقس 10: 17، 18). ماذا كان يقصد المسيح  بهذه الكلمات؟ هل كان يقصد أن ينكر هذا الأسم بإنه ينطبق عليه هو نفسه؟ هل كان يقصد أن يصرح بإنه ليس صالحا كليا؟ هل كان هذا إنتقاص متواضع لشخصه؟ كلا البتة، لإن المسيح  كان كامل الصلاح. فلليهود، الذين كانوا باستمرار يراقبونه ليجدوا إخفاقا ً واحدا ً في حياته ليتهموه به، قال لهم بشجاعة: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" (يوحنا 8: 46). ففي كل الامة اليهودية لم يجدوا رجلا واحدا استطاع أن يقول أن المسيح  قد عمل شيء في غير محله أو قد نطق بكلمة تحمل في ثناياها شبه شر، أما الذين كانوا مُصرين على إدانته فقد أستأجروا شهود زور ضده للشكاية عليه. يقول بطرس لنا أنه: "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1بطرس 2: 22). وبولس يقول لنا إنه: "لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً"(2كورنثوس 5: 21). أما المرنم فيقول: "صَخْرَتِي هُوَ وَلاَ ظُلْمَ فِيهِ" (مزمور 92: 15). ويوحنا يقول: "وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ" (1يوحنا 3: 5). لا يقدر المسيح أن ينكر نفسه، لذلك لم يقدر أن يقول أنه ليس صالحا. فالمسيح  كان ومازال كلي الصلاح، فهو كمال الصلاح. ومن حيث إنه ليس صالحا ولا واحد الا يهوه، والمسيح  صالح، فيتبع ذلك أنّ المسيح  هو يهوه الإله وهذا هو ما قصد أن يعلمه للشاب.

كان هذا هو ما علّمه المسيح  لتلاميذه، عندما قال له فيلبس: "يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا"، فأجابه يهوشوه قائلا: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟" (يوحنا 14: 8، 9). كان هذا تأكيدا واضحا من المسيح في هذه الأيات السابقة بإنه يهوه، وبنفس القدر من التشديد يظهر هذا ايضا عندما قال التالي: "أنا والآب واحد" (يوحنا 10: 30). حقا لقد كان المسيح  يهوه، حتى عندما حل بين البشر، لإنه عندما سؤل أن يريهم الأب أمكنه أن يقول: "أنظروا إلي". وهذا يُحضر إلى الذهن العبارة التي قيلت عندما أدخل الأب بكره إلى العالم، فقال: "وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ يهوه" (عبرانيين 1: 6). لم يكن حق المسيح  في العبادة والاكرام مُصرحا ً به فقط عندما كان يشارك الأب في مجده قبل كون العالم، بل أيضا عندما جاء كرضيع في بيت لحم، فحتى في ذلك الوقت كانت كل ملائكة يهوه موصاة أن تتعبّد له.

لم يُسئ اليهود فهم تعليم المسيح  حيال نفسه. فعندما صرّح لهم بإنه واحد مع الأب، أخذ اليهود حجارة ليرجموه، وعندما سألهم بسبب أي من أعماله الصالحة أرادوا أن يرجموه، أجابوه قائلين: "أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إلها" يوحنا 10: 33. فلو كان كما أعتبروه هم، مجرد انسان، فكلماته كانت حقا تجديفا، ولكنه كان يهوه.

كان قصد المسيح من مجيئه إلى الأرض هو أن يُظهر الآب للبشر لكي تتاح لهم امكانية مجيئهم إليه. ولذلك يقول الرسول بولس:"يهوه كان في المسيح، مصالحا العالم لنفسه"، وفي إنجيل يوحنا نقرأ أنّ الكلمة، الذي كان يهوه، قد "صار جسدا" يوحنا 1:1، 14. ونفس العلاقة مؤكدة لنا في الآتى: "يهوه لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (أي جعله معروفا) يوحنا 1: 18.

لاحظ العبارة القائلة: "الابن الوحيد المولود، الذي هو في حضن الآب" مسكنه يوجد هناك، فهو هنالك كعنصر من الألوهيه، بالتمام عندما كان على الأرض كما كان في السماء. ولغويا في استخدام المضارع التام، يوحي هذا بأستمرارية الوجود. هذا يمثل نفس الفكرة المتضمنة في العبارة التي قالها يهوشوه لليهود في (يوحنا 8: 58)،"قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" وهذا يكشف عن هويته مرة أخرى بالنسبة للشخص الذي ظهر لموسى فى العليقة المحترقة، والذي أعلن أنّ اسمه "أهيه الذي أهيه".

ثم، أخيرا، لدينا كلمات الوحي من الرسول بولس بشأن يهوشوه المسيح، وهي "لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ" (كولوسي 1: 19). ما هو هذا الملء الذي يحل في المسيح، نتعلم من الأصحاح التالي، القائل لنا "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كولوسي 2: 9). هذه شهادة جلية وصريحة للغاية لحقيقة امتلاك المسيح بالطبيعة كل سجايا (صفات) الألوهية. وحقيقة ألوهية المسيح ستظهر بوضوح فيما نستكمل الدراسة.


المسيح كخالق

مباشرة بعدما نقرأ العبارة المقتبسة دائما والتي تقول أن المسيح ، الكلمة، هو يهوه، نقرأ أن "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يوحنا 1: 3). التعليق على هذه الأيه لايقدر أن يجعلها أكثر وضوحا مما هي عليه، لذلك دعونا ننتقل إلى الكلمات الموجودة في عبرانيين 1:1-4، "يهوه، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ".

والأكثر وضوحا من ذلك هو كلمات الرسول بولس إلى أهل كولوسي. ففي الحديث عن المسيح  كواحد لنا فيه الفداء، بولس يصفه كالشخص "الَّذِي هُوَ صُورَةُ يهوه غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ" (كولوسي 1: 15-17).

هذه المقطع الرائع ينبغي أن يُدرس بحرص ويجب التأمل فيها مرات عديدة. فهو لا يترك شيء فى الكون الفسيح لم يخلقه المسيح. لقد صنع كل شيء في السماء وكل شيء علي الارض. لقد صنع كل شيء يمكن رؤيته وكل شيء لا يمكن رؤيته-- العروش والسيادات والرياسيات والسلاطين في السماء، الجميع يعتمد عليه للبقاء على قيد الحياة. وبما أنه قبل كل الاشياء وخالقها، فمن الطبيعي أنّ هذه الاشياء جميعها تتكون وتترابط معا بواسطته. فهذا مساوٍ لما قيل في عبرانيين 1: 3، لإنه حامل كل الاشياء بكلمة قدرته. فبكلمة صنعت السموات، وهذه الكلمة عينها تحفظهم في مداراتهم وتحميهم من الدمار.

نحن لا يمكننا أن نتغاضى في هذا الموضوع عن ما ورد في إشعياء 40: 25، 26: "فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟ يَقُولُ الْقُدُّوسُ. ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَد". أو، كما وردت بأكثر وضوحا في الترجمة اليهودية، "منه، الذي هو عظيم في القدرة، وقوي في البأس، لا ينفلت أحدا" للتأكد من أن المسيح  هو ذلك السيد القدوس الذي يدعو جند السماء بأسماء ويحفظهم في أماكنهم موضح أيضا في مقاطع أخرى في نفس الأصحاح. فهو السيد الذي قيل أمامه، "أعدوا طريق يهوه قوّموا في القفر سبيلا لإلهنا". فهو السيد ذو الذراع الشديدة، ومعه أجرته؛ هو السيد الذي، كراع، يرعى قطيعه، وفي حضنه يحمل الخراف.

عبارة أضافية أخرى بخصوص المسيح  كخالق يجب أن تكون كافية. وهي شهادة الأب نفسه، في الاصحاح الاول في سفر العبرانين، نقرأ أن الإله قد كلمنا عن طريق أبنه؛ فقال عنه: "وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ يهوه. وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ. وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا يهوه إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ" ويضيف الآب قائلا: "وَأَنْتَ يَايهوه فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ".

(عبرانيين 1: 8-10). هنا نجد الأب يخاطب الابن كإله، ويقول له، لقد وضعت أساسات الارض، والسموات هي عمل يديك. فعندما يعطي الأب بذاته هذا الإكرام للابن، من هو الإنسان، حتي يمنعه؟ فبعد هذا الإكرام العظيم يمكننا أن نطمئن لهذه الشهادة حول ألوهية المسيح وحقيقة كونه الخالق لجميع الأشياء.

كلمة للتنبيه نحتاجها هنا في هذا الموضوع. لا يجب أن يعتقد أحد أنّنا سنكرم المسيح  على حساب الآب أو أنّنا سنتجاهل الأب. فهذا لا يمكن عمله، لإن لكليهما نفس المصالح. نحن نكرم الأب في إكرامنا للابن. فنحن نعي كلمات بولس، القائلة: "لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَسَيّد وَاحِدٌ: يهوشوه المسيح، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ" (1كورنثوس 8: 6)؛ كما قد أقتبسنا مسبقا، أنه بواسطته قد صنع يهوه العالمين. جميع الاشياء في النهاية تخرج من يهوه، الأب؛ فحتى المسيح نفسه خرج من عند الأب وآتى، ولكن قد سُرّ الأب أن يحلّ في المسيح كل الملء، وأن يصبح الوكيل المباشر والمنفذ الفوري في كل عمل من أعمال الخليقة. هدفنا في هذا البحث هو أن نوضّح مركز المسيح الشرعي في مساواته مع الأب، لكي نستطيع أن نقدّر قوته الفادية حق التقدير.


هل المسيح  كائن مخلوق؟

قبل أن نتطرق إلى بعض الدروس العملية التي سوف نتعلمها من خلال هذه الحقائق، ينبغي أن نتوقف لبعض اللحظات عند رأي يحتضنه بشدة الكثيرون والذين لا يريدون طواعية لأي أعتبار أن يحقّروا من شأن المسيح ، ولكن، من خلال هذا الرأي، هم بالفعل ينكرون ألوهيته. هذا المعتقد هو: أنّ المسيح  كائن مخلوق، الذي، من خلال مسرة مشيئة الإله، قد ارتفع لمركزه السامي الحالي. لا يستطيع أحد وهو متمسك بهذه النظرية أن يُكوّن فكرة سليمة عن المركز العالي الذي يحتله المسيح  فعليا.

وجهة النظر هذه مبنية على فهم خاطئ لآية واحدة وهي في رؤيا 3: 14، "وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ يهوه". فُسّرت هذه الآية خطأ لتعني أنّ المسيح  هو أول كائن قد خلقه يهوه--أي  أنّ عمل خليقة يهوه أبتدأ به. ولكن هذه النظرية تتعارض مع كلام الكتاب المقدس الذي يعلن أنّ المسيح  نفسه قد خلق كل شيء. فقولنا أنّ يهوه أبتدأ عملية الخلق بعدما خلق المسيح  يعني أن نستبعد المسيح  كليا من عمل الخليقة.

إنّ الكلمة المستخدمة هنا"بداءة" هي أرك (arche)، وتعني، "رأس" أو "رئيس". فهي تستخدم في اسم الحاكم اليوناني، أركون، وفي كلمة أركبيشوب (archbishop) التي تعني رئيس الأساقفة، وكلمة رئيس ملائكة (archangel). خذ هذه الكلمة الأخيرة. المسيح  هو رئيس الملائكة. أنظر يهوذا 9؛ 1 تسالونيكي 4: 16؛ يوحنا 5: 28، 29؛ دانيال 10: 21. هذا لايعني أنّه أول الملائكة، لأنّه ليس ملاكا ً بل أعلى منهم. عبرانيين 1: 4. هذا يعني أنه رئيس أو أمير الملائكة، كما أن رئيس الأساقفة هو رأس للأساقفة. المسيح  هو قائد الملائكة. أنظر رؤيا 19: 14-19. المسيح  خلق الملائكة. كولوسي 1: 16. فلذلك العبارة التي تقول أنه بداءة أو رأس خليقة الإله تعني أنّ "فيه الخليقة وجدت بدايتها"؛ كما يقول هو "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ" (رؤيا 21: 6؛ 22: 13). هو المصدر الذي نبع منه أصل كل الأشياء.

ولا يصحّ أيضا أن نعتبر أنّ المسيح  أحد المخلوقات، لإنّ بولس يدعوه في (كولوسي 1: 15) "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" لأنّ الأيات التالية مباشرة تظهر أنه خالق وليس مخلوق. "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ" فالأن أذ كان هو قام بخلق كل شيء قد خُلق وكائن قبل كل المخلوقات، فمن الواضح أنه لا يندرج تحت قائمة المخلوقات. فالمسيح  هو فوق كل خليقة وليس جزءا ً منها.

تعلن الكتب المقدسة أنّ المسيح  هو "ابن يهوه الوحيد المولود" فهو مولود وليس مخلوق. أمّا بخصوص وقت ولادته، فليس لنا أن نسأل عن هذا، ولا تستطيع عقولنا أن تدرك هذه الحقيقة حتى لو أعطيت لنا هذه المعرفة. النبي ميخا يخبرنا كل ما نستطيع أن نعرفه عن هذا الموضوع في هذه الكلمات"أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (ميخا 5: 2). كان هنالك وقت عندما خرج المسيح  وأتى من يهوه، من حضن الأب (يوحنا 8: 42، 1: 18)، ولكن ذلك الوقت كان بعيدا ً جدا في أيام الابدية المنصرمة حتى أنه ليصعب على العقل المحدود أن يدركه ولذلك يعتبر أنه لم تكن هناك بداية.

ولكن النقطة الاساسية هي أن المسيح  ابن مولود، وليس كائنا مخلوقا. فإنّه بحق الوراثة حصل على أسم أفضل من الملائكة؛ فهو "ابن على بيته" (عبرانين 1: 4؛ 3: 6). وبما أن المسيح هو ابن يهوه الوحيد، فهو يحمل نفس المادة والطبيعة التي لإبيه ويملك بحق الولادة كل صفات يهوه، لإن الأب فرح أن يكون ابنه كصورة طبق الأصل من شخصه، أي بهاء مجده، وممتلىء بكل ملء اللاهوت. لذلك فهو له "حياة في ذاته". فالمسيح  يملك الخلود فى نفسه ويستطيع أن يهبه للأخرين. الحياة مورثة بداخله، لذلك لا يمكن أن تؤخذ منه، ولكنه طواعيه وضعها، ويستطيع أن يأخذها ثانية. كلماته هي التالي: "لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي." (يوحنا 10: 17، 18).

لو قام أحدا بتقديم الاعتراض الفلسفي القديم، كيف يمكن للمسيح أن يكون خالدا وفي نفس الوقت يموت، كل ما يجب علينا أن نقوله هو لا نعلم. فنحن لا نقدم أي ادعاءت لفهم الغير محدود. فنحن لا نستطيع ان نفهم كيف ان المسيح  كان هو يهوه في البداية، مشاركا المجد بالتساوي مع الأب قبل كون العالم وكيف أنّه ولد كرضيع في بيت لحم. سر الصليب والقيامة ما هو إلا سرّ التجسّد. نحن لا نستطيع ان ندرك كيف أنّ المسيح يمكن أن يكون هو الإله وأيضا يصبح إنسانا من أجلنا. نحن لا نستطيع ان ندرك كيف أنّه خلق العالم من لا شيء، ولا أن ندرك كيف أقام الموتى، وكيف الأن يعمل في قلوبنا من خلال روحه القدوس؛ ومع ذلك نؤمن ونعلم هذه الأشياء. يجب أن نقتنع ونقبل بصحة هذه الامور التي أعلنها يهوه، ولا يجب أن نتعثر في أشياء لا يستطيع حتى عقل ملاك أن يدركها. ولذلك فنحن نبتهج بالمجد والقوة اللامحدودة التي تعلن الكتب المقدسة بإنها تخص المسيح، بدون أن نُجهد عقولنا المحدودة في محاولات باطلة لشرح اللامحدود.

أخيرا، نحن نعلم عن الأتحاد الألهي بين الأب والابن من حقيقة كون الأثنين لهما نفس الروح. فبولس، بعد أن قال عن الذين هم فى الجسد الذين لا يستطيعون أن يرضوا يهوه، أضاف قائلا: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ يهوه سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ المسيح، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ" (رومية 8: 9). هنا نجد أنّ الروح القدس يمثل فى الوقت نفسه روح يهوه وروح المسيح. المسيح "في حضن الآب" بالطبيعة حصل على لاهوت يهوه، فبالتالي له حياة في ذاته، لذلك يصح أن يُدعى يهوه، القائم بذاته كما هو مذكور فى إرميا 23: 5، 6: "هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ يهوه، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلاً فِي الأَرْضِ.6 فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا، وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِنًا، وَهذَا هُوَ اسْمُهُ الَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ: يهوه بِرُّنَا".

إذا فلا يجب على أحد من الأن، ممّن يكرّم المسيح ، أن يقدّم له عبادة أقل من الأب، لأنّ هذا يُعتبر عدم إكرام جسيم فى حق الآب نفسه، ولكن فليتحدِ الجميع مع ملائكة السماء في التسبيح للابن، وليس عندهم خوف من أنهم يعبدون ويخدمون المخلوق بدل من الخالِق.

والآن إذ ماتزال مسألة ألوهية المسيح  حية في عقولنا، دعونا نتوقف لنفكر في قصة تواضعه العجيبة.


يهوه ظهر في الجسد

"وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا" (يوحنا 1: 14).

لاتوجد كلمات أكثر وضوحا تظهر أن المسيح  كان بالفعل يهوه وأيضا إنسانا. وإذ كان، في الأصل، إلهيا فقط، أتّخذ الطبيعة البشرية وسار بين الناس كأي شخص عادي زائل، فيما عدا فقط هذه الأوقات عندما برقت ألوهيته منه، كما في حادثة تطهير الهيكل أو عندما نطق بكلمات الحق البسيطة التي كشفت خفايا قلوب اعدائه وأضطرتهم بالأعتراف أنه "لم يتكلم قط أنسان هكذا مثل هذا الإنسان".

لقد تمّ شرح الإذلال والتواضع الذي قبله المسيح  على نفسه طواعية، بوضوح في رسالة بولس الى أهل فيلبي. "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي المسيح يهوشوه أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ يهوه، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِليهوه. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (فيلبي 2: 5-8).

الفكرة هي، مع أن المسيح  كان فى صورة يهوه، كونه "بهاء مجده ورسم جوهره" (عبرانين 1: 3)، وله كل صفات يهوه، وحاكم الكون، والشخص الذي تسعد السماء بإكرامه، لم يعتبر أيا ً من هذه الاشياء مرغوب فيه، بينما كان الإنسان   هالك وبدون قوة. لم يستطع أن يبتهج بمجده فيما كان الإنسان   مطروحا خارجا بدون رجاء. ولذلك أفرغ نفسه، وجرّدها من كل غنى ومجد، وأخذ طبيعة الإنسان  ، لكي يستطيع أن يفديه. فالأن يمكننا أن نرى الانسجام بين اتحاد المسيح  بالأب والعبارة القائلة: "أبي أعظم مني".

من المستحيل علينا أن نفهم كيف أنّ المسيح، بوصفه يهوه، تواضع حتى موت الصليب، ويزداد الأمر سوءا ً إذ نخمّن في هذا الأمر. كل ما يجب علينا عمله هو قبول الحقائق كما هي معلنه في الكتاب المقدس. لو وجد القارئ صعوبة في توفيق بعض العبارات في الكتاب المقدس بخصوص طبيعة المسيح ، فليتذكّر أنّه من المستحيل أن يضعها في قالب يجعل العقول المحدودة تدركها أدراكا كاملا. تماما ً كما أنّ تطعيم الأمم إلى رعيّة إسرائيل على خلاف الطبيعة، فكم وكم بالأكثر الطبيعة الإلهية التي لا تخضع للفهم البشري؟!

سوف نقتبس آيات أخرى ستوضح لنا عن أكثر قرب حقيقة بشرية المسيح  وماذا تعني لنا. لقد قرأنا مسبقا أنّ "الكلمة صار جسدا"، والأن سوف نقرأ ما قاله بولس بخصوص طبيعة الجسد: "لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَيهوه إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ" (رومية 8: 3، 4).

قليل من التفكير سيكون كافيا ً ليري أيّ شخص أنّه لو كان على المسيح  أن يأخذ على نفسه شبه إنسان لكي يفدي الإنسان  ، فكان يجب أن يكون شبه الإنسان   هذا هو لإنسان خاطئ، لأنّ ما أتى المسيح  ليخلصه هو الإنسان   الخاطئ. فالموت ليس له قوة على الإنسان   الذي لم يخطئ، كما كان آدم في جنة عدن، ولما كان للموت قوة على المسيح ، لو لم يضع عليه يهوه أثم جميعنا. علاوة على ذلك، فإن حقيقة كون المسيح  أخذ على نفسه جسدا ً، ليس لإنسان لم يخطىء، ولكن لإنسان خاطىء_أي أنّ هذا الجسد الذي أتخذه كان لديه كل الضعفات والميول الخاطئة التي تتعرض لها الطبيعة البشرية الساقطة_ هذه الحقيقة ظاهرة بوضوح أكثر في العبارة القائلة: "الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ" (رومية 1: 3). لقد كانت لدى داود كل النوازع التي تتصف بها الطبيعة البشرية. فكتب يقول عن نفسه: "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي" مزمور (51: 5).

والعبارة الواردة في الرسالة إلى العبرانيين واضحة جدا حيال هذه النقطة: "لأَنَّهُ حَقًّا لَيْسَ يُمْسِكُ الْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ. مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا ِليهوه حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ" (عبرانيين 2: 16- 18).

فلو جُعل شبيها ً لأخوته في كل شيء، فمن الطبيعي أنه قد تألم من ضعف الجسد وأصبح عرضة لنفس التجارب التي يتعرض لها أخوته. آيتان إضافيتان ستوضحان الموضوع بقوة، وهذا سيكون دليلا ً كافيا ً حول هذه النقطة. نقتبس أولا 2 كورنثوس 5: 21: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ يهوه فِيهِ".

هذه الآية أقوى بكثير من العبارة القائلة أنه صار في "شبه جسد الخطية". لقد جُعل خطية، هنا يكمن السر نفسه وهو أن ابن يهوه يجب أن يموت. حمل الإله الذي بلا عيب، الذي لم يعرف خطية، جُعل خطية. فهو بلا خطية، ومع ذلك لم يُحسب فقط كخاطئ، ولكن فعليا أخذ على نفسه الطبيعة الخاطئة. لقد جُعل خطية لكي نصبح نحن برّا ً. لذلك فبولس يقول للغلاطيين:"وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ يهوه ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ،5 لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" (غلاطية 4: 4، 5).

"لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ"، "لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ" (عبرانيين 2: 18؛ 4: 15، 16).

نقطة إضافية أخرى وبعدها نستطيع أن نتعلم الدرس كاملا، وهي ما يجب أن نتعلمه من حقيقة كون أن "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا". فكيف كان ممكنا أن يصبح المسيح "مُحَاطٌ بِالضَّعْفِ" (عبرانيين 5: 2)، ومع ذلك لم يفعل خطية؟ البعض قد يكون أعتقد، أثناء قرائته حتى الأن، أننا قللنا من شأن خلق يهوشوه المخلّص بوضعه في مستوى الإنسان   الخاطئ. ولكنّ هذا على النقيض، فإننا ببساطة نُعظّم "القوى الإلهية" لمخلصنا المبارك، والذي هو نفسه قبل طواعية أن يتنازل إلى مقام الإنسان   الخاطئ لكي يرفع الإنسان   إلى طهارته التي بلا عيب، الطهارة التي حافظ عليها تحت أقصى الظروف صعوبة. فبشريّته فقط حجبت طبيعته الإلهية، والتي من خلالها (الطبيعة الإلهية) أتصل أتصالا وثيقا بالإله الغير المرئي، وهذا الأرتباط كان أكثر من ناجحا لمقاومة ضعف الجسد. لقد كانت حياته كلها صراع مستمر. فالجسد، عندما وجد محاربة من عدو كل بر، كان يميل للخطية، ومع ذلك فطبيعته الإلهية لم تذعن قط ولو للحظة لأي رغبة خاطئة، ونفس الشيء كان بالنسبة لقوته الإلهية التي لم ترتخِ ولو للحظة. ومع أنّه قد تألم في الجسد بكل ما يمكن أن يتألم به الإنسان  ، فقد عاد إلى عرش الأب بلا عيب تماما مثلما كان عندما ترك ملكوت المجد. وعندما رقد في القبر، خاضعا لقوة الموت،"لم يكن ممكنا ان يُمسك منه"، لإنه "لم يعرف خطية".

ولكن البعض سيقول: "أنا لا أرى أي عزاء لي في هذا. بالفعل، أنا لدي مثال (نموذج)، ولكني لا أستطيع أن أتبعه، لإنه ليس لدي القوة التي كانت للمسيح. لقد كان إلها ً حتى عندما كان على الأرض؛ ولكني مجرد إنسان". هذا صحيح، ولكن يمكن أن تكون لديك نفس القوة التي كانت له لو أردت ذلك. لقد كان "مُحَاطٌ بِالضَّعْفِ"، ومع ذلك "لم يفعل خطية" لإن القوة الإلهية كانت ساكنة في داخله بأستمرار. والأن لنستمع لكلمات الوحي من الرسول بولس في الفصل التالي لنتعلم ما هو أمتيازنا الذي يجب أن نحصل عليه.


دروس عملية هامة

انها ليست فقط نظرية جميلة، أو مجرد عقيدة، أن نؤمن بالمسيح  كإله وخالق. كل تعليم في الكتاب المقدس هو لفائدتنا العملية ويجب دراسته من هذا المنطلق. دعونا نرى أولا ما هي العلاقة التي يُشكلها هذا التعليم بالنسبة للوصية الرئيسية  في شريعة يهوه. في تكوين 2: 1-3 نجد هذه الكلمات يُختتم بها سجل الخليقة، "فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. وَفَرَغَ يهوه فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. وَبَارَكَ يهوه الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ يهوه خَالِقًا". الترجمة العبرية تعطي للنص حرفية أكثر، "وأكملت السماوات والارض وكل جندها. وانتهى يهوه في اليوم السابع من عمله الذي عمل"، الخ. هذا هو نفس ما نجده في الوصية الرابعة، خروج 20: 8- 11.

ملحوظة هامة: [عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس يوم السبت الحالي (Saturday). يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار أنّ السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الغريغوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائماً في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر قمري، الأمر الذي لا يستطيع أن ينجزه أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقع إنذار].

في هذا نجد، ما هو طبيعي جداً، أنّ نفس الشخص الذي خلق هو هو نفسه الذي استراح. الذي عمل لمدة ستة ايام في خلق الأرض، أستراح في اليوم السابع وباركه وقدسه. ولكننا قد تعلمنا مسبقا ان يهوه الآب خلق العالمين بواسطة ابنه يهوشوه المسيح وأنّ المسيح قام بخلق كل ما هو كائن. لذلك نستنتج حتما أنّ المسيح  استراح في ذلك اليوم السابع الاول عند نهاية ستة ايام الخليقة وباركه وقدسه. ولهذا فاليوم السابع --يوم السبت— بكل يقينية هو يوم يهوه. عندما قال المسيح  للفريسيين المماحكين: "فَإِنَّ ابْنَ الإنسان هُوَ سيّد السَّبْتِ أَيْضًا" (متى 12: 8)، فهو بذلك أعلن سلطانه على نفس اليوم الذي حفظوه بدقة ظاهرية، وظهرهذا بقوله كلمات أوضحت أنّه اعتبر السبت كعلامة لسلطانه، كما أظهر حقيقة كونه أعظم من الهيكل. لذلك فإنّ اليوم السابع هو التذكار الإلهي المعين لعملية الخلق. فإنّه أكثر الأيّام إكراماً، لإن مهمته الرئيسية هي إنعاش الذهن وتذكيره بقوة يهوه الخالقة، وهذا هو الدليل الأوحد للإنسان على ألوهيته. فعندما قال المسيح  أن ابن الإنسان   هو سيد السبت أيضا، فهو قد خلع على نفسه امتيازا ساميا ً-- وهو مركز لا يمكن أن يكون أقل من كونه الخالق، والذي بسبب ألوهيته نصب هذا اليوم كتذكار أبدي.

فماذا نقول إذا للأعتقاد السائد، وهو أنّ المسيح  غيّر يوم السبت، اليوم الذي يذكّرنا بخليقته الكاملة بيوم آخر ليس لديه أي علاقة بهذا الحدث؟ هذا معناه ببساطة، أنه لو أراد المسيح   أن يغير أو يبطل السبت فهذا يعني أيضا محو كل ما يذكر العقل عن ألوهيته. لو أن المسيح  أبطل السبت، فهو أذا قد أبطل صنع يديه وبالتالي فهو يعمل ضد نفسه، وكل مملكة منقسمة على ذاتها لا تثبت. ولكن المسيح  "لا يقدر أن ينكر نفسه"، ولذلك فهو لم يغير ولا حرّف نقطة واحدة من كلّ ما قد عيّنه، وأيضا كل ما يشهد لألوهيته، ويظهره مستحقا ً للكرامة فوق كل آلهة الوثن. أنه من المستحيل على المسيح أن يغير السبت كما أنه مستحيل عليه أن يغير حقيقة كونه خلق كل الأشياء في سته أيام وأستراح في السابع.

مرة أخرى نشيد بالقول، بأنّ التصريحات المعاد تكرارها والمعلنة أن يهوه هو خالق، فالقصد منها أن تكون مصدر قوة لنا. لاحظ كيف أن الخلق والفداء متصلان في الأصحاح الأول من رسالة كولوسي.  لتوضح النقطة كاملة أمامنا، سوف نقرأ الأيات من 9-19: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا، مُنْذُ يَوْمَ سَمِعْنَا، لَمْ نَزَلْ مُصَلِّينَ وَطَالِبِينَ لأَجْلِكُمْ أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِيهوه، فِي كُلِّ رِضىً، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ يهوه، مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ بِحَسَبِ قُدْرَةِ مَجْدِهِ، لِكُلِّ صَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ بِفَرَحٍ، شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ، الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا. الَّذِي هُوَ صُورَةُ يهوه غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ".

إنّها ليست صدفة كون الإعلان الرائع بخصوص مركز المسيح  كخالق متصل بالعبارة أننا لنا فيه الفداء. بالطبع لا، فعندما يُفصح الرسول عن رغبته أنّه يجب أن نكون "مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ بِحَسَبِ قُدْرَةِ مَجْدِهِ"، فهو يخبرنا ما هي قدرة مجده هذه. وعندما يخبرنا عن إمكانية تحريرنا من سلطان الظلمة، فهو يعلمنا شيئا عن قوة المحرر. إنه لإجل تعزيتنا يقدم لنا الكتاب المقدس حقيقة أنّ رأس الكنيسة هو خالق كل الأشياء. نحن نعلم أنه حامل كل الأشياء بكلمة قدرته (عبرانيين 1: 3)، لذلك نستطيع أن نستريح في اليقين أن "اليد التي تحمل الطبيعة تستطيع أيضا أن تحرس أولاده بعناية".

لاحظ العلاقة القائمة في أشعياء 40: 26 - 29 هذا الأصحاح يعرض علينا حكمة وقوة المسيح  الرائعة، في تسميته كل جند السماء بأسماء وفي حفظها جميعا كلا في مكانه بواسطة عظمة قدرته وسلطان قوته، ثم بعد ذلك يتساءل،

"لِمَاذَا تَقُولُ يَا يَعْقُوبُ وَتَتَكَلَّمُ يَا إِسْرَائِيلُ: قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ يهوه وَفَاتَ حَقِّي إِلهِي؟ أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلهُ الدَّهْرِ يهوه خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ" بل بالعكس، "يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً" فقوته الحقيقية تكمن في القدرة على أن يخلق كل شيء من لا شيء؛ لذلك فهو يستطيع أن يصنع العجائب من خلال من ليس لهم قوة. يستطيع أن يحضر قوة من ضعف. بالتأكيد، إذا، فكل ما من شأنه أن يجعل عقل الإنسان في وعي دائم لقوة المسيح الخالقة يجب أن يحفز على تجديد قوتنا الروحية وشجاعتنا.

وهذا هو الغرض من السبت. أقرأ المزمور الثاني والتسعون، والذي يحمل عنوان مزمور يوم السبت. الأربع أيات الأولى هي: "حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِيهوه وَالتَّرَنُّمُ لاسْمِكَ أَيُّهَا الْعَلِيُّ. أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي الْغَدَاةِ، وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، عَلَى ذَاتِ عَشَرَةِ أَوْتَارٍ وَعَلَى الرَّبَابِ، عَلَى عَزْفِ الْعُودِ. لأَنَّكَ فَرَّحْتَنِي يَا يهوه بِصَنَائِعِكَ. بِأَعْمَالِ يَدَيْكَ أَبْتَهِجُ".

ما علاقة هذا بالسبت؟ فقط التالي: السبت هو نصب تذكاري  للخليقة. يقول الخالق:"وَأَعْطَيْتُهُمْ أَيْضًا سُبُوتِي لِتَكُونَ عَلاَمَةً بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لِيَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا يهوه مُقَدِّسُهُمْ"حزقيال 20: 12. صاحب المزامير حفظ السبت كما أراد يهوه أن يُحفَظ--بالتأمل في أعمال الخليقة وقوة وصلاح يهوه العجيبين الظاهرين فيها. ثم بعد ذلك التأمل، أدرك داود أن الإله الذي يلبس زنابق الحقل بمجد يفوق مجد سليمان يعتني بالحرى أكثر جدا بخلائقة العاقلة، وبينما كان ينظر إلى السموات، والتي تظهر قوة ومجد الخالق، وعلم أنها آتت إلى الوجود من لا شيء، فهذه الفكرة المشجّعة جاءت إليه وهي أنّ نفس هذه القوة ستعمل على تحريره من الضعف البشري. لذلك أصبح سعيدا ً وفرح بأعمال يدي يهوه. فمعرفته لقوة يهوه التي حصل عليها من خلال التأمل في الخليقة، ملأته شجاعة، عندما أدرك أنّ نفس هذه القوة متاحة له، وإذ أستوعب هذه القوة بالإيمان، جعلته يحرز النصر من خلالها. وهذا هو غرض السبت؛ أن يحضر الإنسان   إلى معرفة خلاصية بيهوه.

فالحجة، المذكورة بإيجاز، هي:

1- الإيمان بيهوه يتولد من خلال معرفة قوته؛ عدم الثقة به تعني الجهل بمقدرته على الإيفاء بوعوده؛ إيماننا فيه ينبغي أن يتساوي مع نسبة معرفتنا الحقيقية لقوته.

2- التأمل الواعي لخليقة يهوه يعطينا فكرة صحيحة عن قوته، لإن قدرته السرمدية ولاهوته تدرَك من خلال الأشياء التي صنعها. رومبة 1: 20.

3- إنّ الإيمان هو الذي يعطي النصرة (1 يوحنا 5: 4)؛ لذلك، فبما أنّ الإيمان يأتي من معرفة قوة يهوه من خلال كلمته ومن خلال ما خلق، فنحن نحصل على النصرة أو الغلبة من خلال أعمال يديه. فالسبت، إذا، والذي هو  تذكار للخليقة يصبح، لو حُفظ كما ينبغي، بمثابة مصدر وحصن عظيم للمسيحي في حربه.

هذا هو مغزى حزقيال 20: 12. "وَأَعْطَيْتُهُمْ أَيْضًا سُبُوتِي لِتَكُونَ عَلاَمَةً بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لِيَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا يهوه مُقَدِّسُهُمْ"، وعندما نعرف أن أرادة يهوه هي قداستنا (1 تسالونيكى 4:3؛ 5: 23، 24)، نتعلم أذا، عن طريق السبت، وحفظه صحيحا، ما هي قوة يهوه الممنوحة من أجل تقديسنا. فنفس القوة التي أستُخدمت لخلق الكون متاحة لتقديس كل من يُخضعون أنفسهم لإرادة يهوه. بالتأكيد فهذه الفكرة، عندما تُستَوعب جيدا من قبل كل نفس مخلصة، ستجلب لها الفرح والعزاء في يهوه. في ضوء هذا، نستطيع أن نقدر عظمة الوحي المذكور في أشعياء 58: 13، 14: "إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي، وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ يهوه مُكَرَّمًا، وَأَكْرَمْتَهُ عَنْ عَمَلِ طُرُقِكَ وَعَنْ إِيجَادِ مَسَرَّتِكَ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلاَمِكَ، فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِيهوه، وَأُرَكِّبُكَ عَلَى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ، وَأُطْعِمُكَ مِيرَاثَ يَعْقُوبَ أَبِيكَ، لأَنَّ فَمَ يهوه تَكَلَّمَ".

ولذلك فعندما يُحفظ السبت حسب خطة الخالق، كتذكار لقوته الخالقة، وعندما يدرك العقل قوة يهوه المتوافرة لخلاص شعبه، فالنفس الفرحة بأعمال يديه، ستجد الغبطة في يهوه. ولذلك فالسبت هو نقطة أرتكاز لرافعة الإيمان، فهو يرفع النفس عاليا حتى تصل إلى عرش يهوه لتتحد في الشركة معه.

لنضع المسألة في كلمات قليلة، فيمكن أن تصاغ كالأتي: قوة يهوه الأزلية ولاهوته ظاهرة في أعمال الخلق. رومية 1: 20. فالقدرة على الخلق هي مقياس لقوة يهوه. ولكن الإنجيل هو قوة يهوه للخلاص. رومية 1: 16. فالإنجيل إذاً يظهر لنا ببساطة القوة التي تمّ استخدامها لإيجاد الكون، إنّها الأن تعمل بقوة على خلاص الإنسان. فهي نفس القوة في كل حالة.

في ضوء هذا الحق العظيم، لا مجال للخلاف على كون حادثة القيامة أعظم من حادثة الخلق، وذلك لأنّ الفداء ببساطة هو خلق. أنظر 2 كورنثوس 5: 17؛ أفسس 4: 24. إنّ قوة الفداء هي المقدرة على الخلق؛ فقوة يهوه للخلاص هي القوة القادرة على أخذ تفاهة الإنسان وعمل منها ما يسبّح مجد نعمة يهوه طوال الدهور الأبدية.


المسيح  كمشرّع

"فَإِنَّ يهوه قَاضِينَا. يهوه شَارِعُنَا. يهوه مَلِكُنَا هُوَ يُخَلِّصُنَا" أشعياء 33: 22.

يجب علينا الأن أن ننظر إلى المسيح  في شخصية أخرى، ومع ذلك فهي ليست أخرى. لأنها نتاج طبيعي لمركزه كخالق، لأن من يخلق ينبغي أن تكون له السلطة في القيادة والتحكم. نقرأ كلمات المسيح  في يوحنا 5: 22، 23، "لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ". فكما أن المسيح  هو أعلان ظهور الأب في الخليقة، هو أيضا أعلان ظهور الأب في إعطاء الشريعة وتنفيذ أحكامها. آيات قلائل من الكتاب المقدس ستكفي لتبرهن هذه الحقيقة.

سفر العدد 21: 4-6 لدينا سجل جزئي عن حدث تم بينما كان بنو إسرائيل في البرية. دعونا نقرأه: "وَارْتَحَلُوا مِنْ جَبَلِ هُورٍ فِي طَرِيقِ بَحْرِ سُوفٍ لِيَدُورُوا بِأَرْضِ أَدُومَ، فَضَاقَتْ نَفْسُ الشَّعْبِ فِي الطَّرِيقِ. وَتَكَلَّمَ الشَّعْبُ عَلَى الإله وَعَلَى مُوسَى قَائِلِينَ: لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ لأَنَّهُ لاَ خُبْزَ وَلاَ مَاءَ، وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ، فَأَرْسَلَ يهوه عَلَى الشَّعْبِ الْحَيَّاتِ الْمُحْرِقَةَ، فَلَدَغَتِ الشَّعْبَ، فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ".

لقد وجدوا عيبا في قائدهم. ولهذا السبب هلكوا بواسطة الحيات. والأن لنقرأ كلمات الرسول بولس بشأن نفس الحدث: "وَلاَ نُجَرِّبِ المسيح كَمَا جَرَّبَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَتْهُمُ الْحَيَّاتُ" 1 كورنثوس 10: 9.

فماذا يبرهن هذا؟ يبرهن هذا على أن القائد الذي تذمروا عليه كان المسيح. وهذا مثبت لاحقا  من خلال حقيقة كون موسى عندما ألقى قرعته مع إسرائيل، رفض أن يدعى ابن ابنة فرعون، حاسبا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر. عبرانيين 11: 26. أقرأ أيضا 1 كورنثوس 10: 4، عندما يذكر بولس أن الأباء "وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ المسيح" إذن فالمسيح  كان هو قائد الإسرائيليين عند خروجهم من مصر.

الأصحاح الثالث من سفر العبرانيين يوضح لنا هذه الحقيقة نفسها. هنا يلفت نظرنا لكي نلاحظ رسول أعترافنا ورئيس كهنتنا، يهوشوه المسيح ، الذي كان أمينا في كل بيته، ليس كخادم، ولكن كأبن على بيته. الأيات من 1-6. ثم نخبر بأننا بيته إذا تمسكنا بثقتنا إلى النهاية. لذلك فالروح القدس يشجعنا أن نسمع صوته ولا نقسي قلوبنا، كما فعل الأباء في البرية. "لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ المسيح، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ،15 إِذْ قِيلَ:«الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ". فمن هم الذين إذ سمعوا أسخطوا؟ أليس جميع الذين خرجوا من مصر بواسطة موسى؟

ولكن مع من كان المسيح  في حزن لمدة أربعين سنة؟ أليس مع الذين أخطاوا الذين جثثهم سقطت في القفر؟الأيات 14-17. هنا أيضا نرى أن المسيح  كان القائد والرئيس لإسرائيل أثناء تجوالهم في البرية لمدة أربعين سنة.

نفس الشىء موضح في يشوع 5: 13- 15، عندما يخبرنا عن الرجل الذي رآه يشوع عند أريحا، وبيده سيف مسلول، فأجاب على سؤال يشوع، "هل لنا أنت أو لأعدائنا؟" وقال، "كلا بل أنا رئيس جند يهوه الأن أتيت." بالفعل، لن يوجد أحد ليعارض أن المسيح  كان هو القائد الحقيقي لإسرائيل، مع أنّه كان غير منظور.

موسى، قائد إسرائيل المنظور، "تشدد كأنه يرى من لا يرى" إنّ المسيح هو من فوّض موسى لكي يذهب ويخلص شعبه. والأن نقرأ في خروج 20: 1-3:

"ثُمَّ تَكَلَّمَ الإله بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً: أَنَا يهوه إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". من تكلم هذه الكلمات؟ الشخص الذي أخرجهم من مصر. ومن كان قائد أسرائيل عند خروجهم من مصر؟ لقد كان المسيح . بعد ذلك من نطق بالوصايا على جبل سيناء؟ لقد كان المسيح ، فهو بهاء مجد الأب ورسم جوهره، إنّه أعلان يهوه للإنسان. فهو الذي خلق كل شيء قد خُلق، وهو الشخص الذي دفعت إليه كل الدينونة.

هذه النقطة يمكن أن تبرهَن بطريقة أخرى. عندما يأتي يهوه، سيكون ذلك بهتاف (1 تسالونيكي 4: 16)، يخترق القبور ويحيي الموتى (يوحنا 5: 28، 29)."وَأَنْتَ فَتَنَبَّأْ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ هذَا الْكَلاَمِ، وَقُلْ لَهُمْ:  يهوه مِنَ الْعَلاَءِ يُزَمْجِرُ، وَمِنْ مَسْكَنِ قُدْسِهِ يُطْلِقُ صَوْتَهُ، يَزْأَرُ زَئِيرًا عَلَى مَسْكَنِهِ، بِهُتَافٍ كَالدَّائِسِينَ يَصْرُخُ ضِدَّ كُلِّ سُكَّانِ الأَرْضِ. بَلَغَ الضَّجِيجُ إِلَى أَطْرَافِ الأَرْضِ، لأَنَّ لِيهوه خُصُومَةً مَعَ الشُّعُوبِ. هُوَ يُحَاكِمُ كُلَّ ذِي جَسَدٍ. يَدْفَعُ الأَشْرَارَ لِلسَّيْفِ، يَقُولُ يهوه" أرميا 25: 30، 31. إذا قمنا بمقارنة هذه الأيات برؤيا 19: 11-21، فالمسيح  بصفته قائد جند السماء، كلمة يهوه، ملك الملوك، وسيّد الكل، يذهب قدما ليدوس معصرة خمر سخط وغضب يهوه القدير، مهلكا كل الأشرار، فهنا نجد أن المسيح  هو من يزمجر من مسكنه ضد كل سكان الأرض عندما يأتي ميعاد خصومته مع الشعوب. يوئيل يضيف إلينا نقطة أخرى، عندما يقول، "وَيهوه مِنْ صِهْيَوْنَ يُزَمْجِرُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ يُعْطِي صَوْتَهُ، فَتَرْجُفُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ" يوئيل 3: 16.

من هذه الأيات، ومن أيات أخرى يمكن إضافتها، نتعلم عن مجيء يهوه لخلاص شعبه، وارتباطه بصوت يهوه عندما يتكلم ويهز الأرض والسموات-- "تَرَنَّحَتِ الأَرْضُ تَرَنُّحًا كَالسَّكْرَانِ، وَتَدَلْدَلَتْ كَالْعِرْزَالِ" (أشعياء 24: 20)، و"تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ" (2 بطرس 3: 10). والأن نقرأ عبرانيين 12: 25، 26:

عندما تكلم يهوه بصوته على الأرض زلزل الأرض وكان ذلك وقت أعطاء الشريعة في سيناء (خروج 19: 18-20؛ عبرانيين 12: 18-20)، كان هذا حادث رهيب جدا ومن شدة رهبته لم يكن له مثيل ولن يكون إلى أن يأتي يهوشوه مع كل ملائكة السماء ليخلص شعبه. ولكن لنلاحظ: إنّ نفس الصوت الذي زلزل الأرض، سيزعزع في المرة القادمة ليس الأرض فقط بل السماء أيضا، وقد وجدنا أيضا أنّ صوت المسيح والذي سيدوي بعلو شديد ستتزعزع بسببه السماء والأرض عندما يأتي ميعاد خصومته مع الشعوب. لذلك من الواضح أنّه كان صوت المسيح الذي سُمِع في سيناء، معلنا الوصايا العشر. إنّ ما تعلّمناه هنا عن المسيح  ليس أكثر من طبيعي أن نستنتجه عندما نضع في أعتبارنا كونه الخالق وصانع السبت. بالفعل، إنّ حقيقة كون المسيح يمتاز بالألوهية، ولديه كل الصفات الإلهية، ومساو للأب في كل شيء، كخالق ومعطي للشريعة، هذا هو ما يجعل كفارته شرعية. إنّ هذا فقط ما يجعل الفداء ممكنا. لقد مات المسيح "لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى يهوه" (1 بطرس 3: 18)، ولكنه لو نقص ذرة واحدة عن كونه مساويا ليهوه، لم يكن في استطاعته أن يقربنا إليه. الألوهية تعني أمتلاك صفات الإله. لو كان المسيح  غير إلهي، فتضحيته وذبيحته من أجلنا كانت فقط بشرية. فلا يهم، حتى ولو سلمنا بأن المسيح  كان أرفع كائنات الكون المخلوقة؛ ففي هذه الحالة كان سيكون أحد الرعايا، مدينا بالولاء للناموس، ليس له القدرة على أن يفعل أكثر مما يفرض عليه واجبه. فليس له بر لكي يمنحه للأخرين. هنالك مسافة لا نهاية لها بين أفضل ملاك مخلوق ويهوه؛ لذلك، فأرفع ملاك لم يكن في أستطاعته أن يرفع الإنسان الساقط ويجعله شريكا ً في الطبيعة الإلهية. فالملائكة تخدم؛ ولكن يهوه فقط يستطيع أن يفدي. فشكرا ليهوه لأنّنا خلصنا "بالفداء الذي بيهوشوه المسيح"، الذي فيه يحل كل ملء اللأهوت جسديا، فمن ثم يقدر أن يخلص إيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى يهوه.

هذا الحق يقود إلى فهم أكثر أكتمالا للسبب الذي من أجله يُدعى المسيح  كلمة يهوه. فهو الواحد الذي من خلاله تعلن المشيئة والقوة الإلهية للبشر. فهو، يُعتبر بمثابة فم التحدث للألوهية، كإعلان ليهوه. فهو يعلن يهوه، أو يجعله معروفا لدى الإنسان  . فلقد سُرّ الأب أن يحلّ فيه (في الابن كل الملء) ولذلك فالأب لم يهبط إلى مركز ثانوي، كما يتسنّى للبعض، عندما يعظم المسيح  كخالق ومشرع، لأنّ مجد الأب يشرق من خلال الابن. فبما أن يهوه معلن فقط من خلال المسيح ، فمن الواضح أنّ الأب لن ينال التوقير اللازم كما هو واجب، من قبل من لا يعظمون المسيح . فكما قال المسيح  نفسه، "مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ" يوحنا 5: 23. يسأل البعض كيف يمكن أن يكون المسيح  هو الشفيع والوسيط بين الإله والإنسان وأيضا المشرع في نفس الوقت؟ ليس علينا أن نقوم بشرح كيف يكون هذا، ولكن علينا فقط أن نقبل ما يعلنه لنا الوحي بخصوص هذا الشأن. وبما أن الحقيقة كذلك فهذا ما يعطي قوة ودعم للتعليم الخاص بالكفارة. فضمان الخاطئ الكامل والعفو المجاني يكمن في حقيقة أنّ المشرّع نفسه، الذي عصى عليه الخاطئ ورفضه، هو ذاته الشخص الذي بذل نفسه من أجلنا. فكيف يمكن أن يشك أحد في صدق قصد يهوه أو في حسن نيتة الكاملة نحو الناس، بينما هو قد بذل ذاته من أجل فدائهم؟ فلا يجب أن نتصور أن الأب والابن كانا منفصلين في إتمام عمل الفداء. فلقد كانا واحدا ً في هذا العمل، كما في كل شيء آخر. فمشورة السلام كانت بينهما كليهما (زكريا 6: 12، 13)، ومع أن ابن يهوه الوحيد كان هنا على الأرض فهو أيضا كان في حضن الأب.

فيا له من إظهار عجيب للمحبة! البريء تألم من أجل المذنب؛ البار من أجل المجرم؛ الخالق من أجل المخلوق؛ مشرع الناموس من أجل متعدي الشريعة؛ الملك من أجل رعاياه العصاة. فبما أن يهوه لم يشفق على أبنه الوحيد بل بذله مجاناً من أجلنا جميعا ً-- فكيف لا يهبنا أيضا معه كل شيء؟

فالمحبة اللامتناهية لم تجد إعلانت أعظم من نفسها. فبالحق يستطيع السيد أن يقول، "ماذا يصنع أيضا لكرمي وأنا لم أصنعه؟".


بـــر يهوه

"لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ يهوه وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (متى 6: 33).

إنّ بر يهوه، كما يقول المسيح ، هو الشيء الوحيد الذي يجب أن نطلبه في هذه الحياة. فالطعام والكسوة هي أمور ثانوية بالمقارنة معه.فيهوه سوف يُسدّهما كضروريات بالطبع، حتى لا نصرف عليهما كثير من الوقت في القلق والحرص الزائد؛ ولكن يجب علينا أن نجعل هدفنا الأول في الحياة هو ضمان ملكوت يهوه وبره.

في (1 كورنثوس 1: 30) نُخبر بأن المسيح  قد صار لنا براً كما صار لنا حكمةً، وبما أن المسيح  هو حكمة يهوه وفيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا، فواضح أذا أن البر الذي صاره المسيح  من أجلنا هو بر يهوه. فدعونا نرى ما هو هذا البر.

في (مزمور 119: 172) المرنم يخاطب يهوه قائلا: "يُغَنِّي لِسَانِي بِأَقْوَالِكَ، لأَنَّ كُلَّ وَصَايَاكَ عَدْلٌ (بر)" فالوصايا هي البر، ليس فقط في خلاصة تعاليمها، ولكنها هي بر يهوه. للبرهان على ذلك نقرأ الآتي: "اِرْفَعُوا إِلَى السَّمَاوَاتِ عُيُونَكُمْ، وَانْظُرُوا إِلَى الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ. فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ كَالدُّخَانِ تَضْمَحِلُّ، وَالأَرْضَ كَالثَّوْبِ تَبْلَى، وَسُكَّانَهَا كَالْبَعُوضِ يَمُوتُونَ. أَمَّا خَلاَصِي فَإِلَى الأَبَدِ يَكُونُ وَبِرِّي لاَ يُنْقَضُ. اِسْمَعُوا لِي يَا عَارِفِي الْبِرِّ، الشَّعْبَ الَّذِي شَرِيعَتِي فِي قَلْبِهِ: لاَ تَخَافُوا مِنْ تَعْيِيرِ النَّاسِ، وَمِنْ شَتَائِمِهِمْ لاَ تَرْتَاعُوا" (أشعياء 51: 6، 7).

ماذا نتعلم من هذا؟ أن من يعرفون بر يهوه هم من قد كتبت شريعته في قلوبهم، ولذلك فأن شريعة يهوه هي بر يهوه.

يمكن برهان هذا ثانية لأن: "كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ" (1 يوحنا 5: 17)، والأثم هو نقيض البر. "كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي". (1 يوحنا 3: 4). الخطية هي التعدي على الشريعة، وهي أيضا نقيض البر؛ لذلك فالخطية والأثم متطابقين. فأذا كان الأثم هو التعدي على الشريعة، فالبر هو الطاعة للشريعة. أو، لنضع هذا الأفتراض في هيئة حسابية:

الاثم = خطية. (1 يوحنا 5: 17). تعدي الشريعة = خطية. (1 يوحنا 3: 4).

لذلك، فأنه حقيقة مُسلّم بها أنّه إذا كان هنالك شيئان مساويان لشيء واحد فهما بالتالي متساويين واحدهما للأخر، فلدينا: أثم = تعدي الشريعة...والذي يعتبر معادلة سالبة. فنفس الشيء المذكور بصيغة موجبة، سيكون: بر = طاعة للوصايا.

والأن ماهي الشريعة التي تعتبر الطاعة لها بر وعصيانها يحسب خطية؟ إنها الشريعة القائلة: "لا تشته"، لأنّ الرسول بولس يقول لنا أن هذا الناموس بكته على الخطية. (رومية 7: 7). فالوصايا العشر أذاً هي مقياس بر يهوهه. فبما أنها وصايا يهوه وبارة، فينبغي أن تكون هي نفسها بر يهوه. بالفعل، لا يوجد هنالك أي بر آخر غير هذا.

بما أن الشريعة هي بر يهوه-- نسخة طبق الأصل من صفاته-- فمن السهل أن نرى أن خوف يهوه وحفظ وصاياه هي كل ما يطلب من الإنسان   كواجبه. (جامعة 12: 13). فلا يعتقد أحد أن واجبه محصور فقط في الوصايا العشر، لأنهم "واسعي النطاق جدا"، "الناموس روحي"، ويتضمن الكثير، أكثر مما تستطيع أن تميزه عين القاريء العادي.

"وَلكِنَّ الإنسان الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ يهوه لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا" (1 كورنثوس 2: 14). فشمولية الناموس واتساع نطاق عمقه يمكن فقط أستياعبها من قبل من قد تأملوا فيه بالصلاة. آيات قليلة من السفر المقدس ستكفي لترينا شيئا ً من مدى اتساعه.

في الموعظة على الجبل قال المسيح : "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ"(متى 5: 21، 22). وأيضا، "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" أعداد 27، 28.

فهذا لا يعني أن الوصايا، "لا تقتل"، و"لا تزن" ناقصتين أو أن يهوه يطالبنا الأن بدرجة أعلى من الأخلاقيات مما طلبه من شعبه الذين دعوا يهودا. إنّ يوهه يطالب كل البشر في كل العصور بنفس المقدار. فالمخلص ببساطة شرح هذه الوصايا وأظهر روحانيتها. فبالنسبة لتهمة الفريسيين التي لم ينطقوا بها، بأنه تجاهل الناموس الأدبي وقوّضه ، أجابهم موضحا لهم أن سبب مجيئه كان تثبيت الناموس لأنه لم يكن ممكنا أن يبطل، ثم بعد ذلك وضح لهم بأسهاب معنى الناموس الحقيقي لدرجة أقنعتهم بأنهم كانوا يتجاهلون الناموس ويتعدّوه. وأظهر أيضا أنّ مجرد نظرة أو فكرة يمكن أن تعتبر تعدي على الشريعة وأن الناموس فعلا مميز أفكار القلب ونياته.

ففي كل هذا لم يعلن المسيح  عن حق جديد بل فقط أحضر إلى النور وكشف عن حق قديم. فالناموس عند أعلانه في سيناء لم يعني شيئاً أكثر مما أعناه حينما شرحه المسيح  على الجبل في اليهودية. فعندما بصوت زلزل الأرض، قال: "لا تقتل" أعنى، "أنه لا ينبغي أن نحتضن روح الغضب في قلوبنا؛ أو الحسد، أو الخصام، أو أي شيء آخر يمكن أن يُعتبر قريبا إلى القتل حتى ولو بقدر ضئيل." فهذا كله وأكثر بكثير متضمنا في الكلمات، "لا تقتل". وهذا ما علمته لنا كلمات الوحي بالعهد القديم، لأن سليمان أظهر لنا أن الناموس يختص بالأمور الغير المرئية تماما كالأمور المرئية، عندما كتب قائلا:

"فَلْنَسْمَعْ خِتَامَ الأَمْرِ كُلِّهِ: اتَّقِ يهوه وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ الإنسان كُلُّهُ. لأَنَّ يهوه يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا" (جامعة 12: 13، 14).

فمحور النقاش هو: إنّ الدينونة تمتد إلى كل شيء خفي؛ فناموس يهوه هو المقياس في الدينونة-- فهو يحدد طبيعة كل عمل، سواء كان خيرا أو شرا؛ ولذلك، ناموس يهوه يحرّم الشر في الأفكار كما في الأفعال. أذا فخلاصة الأمر هو أنّ وصايا يهوه تشمل كل واجب الإنسان  .

فلنأخذ الوصية الأولى، "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي" فالرسول يقول لنا عن بعض الناس "الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ" (فيلبي 3: 19). لكنّ النهم وعدم الاعتدال هما قتل للنفس، فنجد إذاً أنّ الوصية الأولى تسري حتى الوصية السادسة. ليس هذا كل شيء، لأنه أيضا يخبرنا بأن الشهوة هي عبادة أوثان. (كولوسي 3: 5). فالوصية العاشرة لا يمكن كسرها بدون كسر الأولى والثانية. بمعني آخر، إن الوصية العاشرة تتقابل مع الأولى، فنجد أنّ الوصايا العشر هي دائرة محيطها عظيم جدا كمحيط الكون بداخله موضح الواجب الأدبي لكل مخلوق. بالأختصار، فالوصايا هي مقياس بر يهوه، الذين يسكن في الأبدية.

وبما أنّ هذا هو الحال، فصحّة العبارة القائلة أنّ "الذين يعملون بالناموس هم يبرّرون" تصبح واضحة الأن. فالتبرير معناه أن تجعل شخصا بارا أو تظهره بارا. فالأن يتضح لنا أن الطاعة الكاملة لناموس بار وكامل تساعد على إنتاج إنسان بار. لقد كان قصد الخالق أنّ طاعة مثل هذه يجب أن تُقدم للشريعة من قبل كل خلائقه، وبهذه الطريقة تكون الشريعة قد عيّنت للحياة. (رومية 7: 10).

ولكن لكي ُيحسب أحداً "أنّه عاملاً بالناموس" من الضروري أن يكون قد حفظ الناموس في كل مقاييسه وعمقه في كل لحظة من حياته. فلو قصّر عن إتمام هذا، فلا نستطيع أن نقول عنه أنّه عمل بالناموس. فلا يمكن أعتباره عاملا بالناموس إذا قام فقط بتنفيذ جزء منه. إنّها حقيقة محزنة، أنّه لم يوجد في كل الجنس البشري من عمل بالناموس، لإنّ اليهود والأمم جميعهم: "تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، ‏كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:"أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. ‏لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ يهوه. ‏الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رومية 3: 9-12). فالناموس يخاطب كل من هم في محيطه، وفي كل العالم لا يوجد واحد يستطيع أن يفتح فمه ليبرر نفسه من تهمة الخطية التي يحضرها الناموس ضده. فكل فم يستدّ، والعالم كلّه يقف مذنبا أمام يهوه (عدد 19)، "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ يهوه" (عدد 23).

مع أنّ "الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ" فواضح أيضا أنه "بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ" (عدد 20). فالناموس كونه "مقدس وعادل، وصالح" لا يستطيع أن يبرر الخاطئ. بمعنى آخر، إنّ الناموس العادل لا يستطيع أن يعلن أنّ من يتعدّاه يمكن أن يكون بريئا ً. فالناموس الذي يبرىء إنسانا ً شرّيرا ً بالتالي سيكون ناموسا ً شرّيرا ً. فعدم قدرة الناموس على أن يبرّر الخطاة لا ينبغي أن تجعلنا نمقته. بل على النقيض، يجب أن نرفع من شأنه لهذا السبب عينه. إنّ حقيقة كون الناموس لن يعلن أن الخطاة أبرار- يعني أنّه لن يدّعي أنّ البشر حفظوه في حين أنّهم تعدّوه-- فهذا في حدّ ذاته برهان كافٍ على أنّه صالح. فالناس يمدحون القاضي الأرضي، الذي لا يمكن أرشاؤُهُ، ولن يعلن المذنب بريئا ً. فبنفس القدر يجب على الإنسان   أن يعظّم ناموس الخالق، الذي لن يشهد شهادة زور. فهو كمال البر، وبالتالي فهو مضطرّ إلى أن يعلن الحقيقة المحزنة: وهي أنّه ولا واحد من نسل آدم أستطاع أن يوفي مطاليبه.

زد على ذلك، فحقيقة كون العمل بالناموس هو ببساطة واجب الإنسان، تُظهر أنّ الإنسان، إذا قصّر في أيفاء إحدى ُصغرياته، لا يستطيع أن يعوض عن هذا التقصير. فمتطلبات كل وصية من الوصايا العشر واسعة جدا-- فالناموس كله روحي لأبعد الحدود-- لدرجة أنّ ملاكا ً لا يقدر أن يقدّم أكثر من طاعة بسيطة. نعم، وأكثر من ذلك، فالناموس هو بر يهوه-- نسخة طبق الأصل من صفاته-- وبما أنّ صفاته لا يمكن أن تكون بخلاف ما هي عليه، فيترتّب على ذلك أنّه حتى يهوه نفسه لا يستطيع أن يكون أفضل من مقياس الصلاح الذي يطلبه ناموسه. لا يستطيع أن يكون أفضل من ذاته والناموس يعلن لنا ذاته. فأي رجاء إذاً، لمن تعدّى واحدة من الوصايا فقط، أن يقوم بإضافة كافية وزائدة من الصلاح لكي يعوّض عن وصوله إلى المقياس الكامل؟ فمن يحاول أن يفعل هذا يضع أمام نفسه المهمة المستحيلة في محاولة جعل ذاته أفضل مما يطلبه يهوه، نعم، بل أفضل من يهوه نفسه.

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة لأن الإنسان   لم يتعدّ فقط أحد مطاليب الناموس، بل قصّر تجاه جميع مطاليبه. "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" ليس هذا فقط، بل إنّه من المستحيل على الإنسان الساقط، بقوته التي ضعفت، أن يفعل حتى عملا واحدا يصل به إلى النموذج الكامل. فهذه المسألة لا تتطلّب برهانا إضافيا أكثر من إعادة درج الحقيقة، وهي أنّ الناموس هو مقياس بر يهوه. بكل تأكيد لن يوجد من يتجرأ ويدعي أن أي من أعمال حياته كانت أو قد تكون صالحة كما لو كانت قد فعلها يهوه نفسه. فيجب على الجميع أن يقولوا مع المرنم، "قُلْتُ لِيهوه:أَنْتَ سَيِّدِي. خَيْرِي لاَ شَيْءَ غَيْرُكَ (أي لا يقارن بصلاحك)" مزمور 16: 2.

فهذه الحقيقة موجودة في عبارات مباشرة فى الكتاب المقدس. المسيح ، الذي "لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإنسان، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإنسان" (يوحنا 2: 25)، قال: "لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. ‏جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإنسان" (مرقس 7: 21-23). بمعنى آخر، إنّه من الأسهل أن نفعل الشر مِن أن نفعل الخير، والأشياء التي يفعلها الإنسان طبيعيا هي شريرة. فالشر يسكن بداخله، وهو جزء من كيان الإنسان. لذلك، يقول الرسول: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ِليهوه، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ يهوه، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. ‏فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا يهوه"(رومية 8: 7، 8). وأيضا،"لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ" (غلاطية 5: 17). وبما أن الشر هو جزء من طبيعة الإنسان، مورث لكل شخص عن طريق سلالة طويلة من الأجداد الخطاة، فمن الواضح جدا أنّ أي نوع من البر سينتج منه يجب أن يكون مثل "ثوب عدّة" (أشعياء 64: 6)، بالمقارنة مع ثوب بر يهوه الذي بلا عيب.

فاستحالة فعل أعمال صالحة صادرة من قلب ملوّث بالخطية يظهرها المخلّص لنا بوضوح، "لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا. فَإِنَّهُمْ لاَ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ تِينًا، وَلاَ يَقْطِفُونَ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَبًا. الإنسان الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإنسان الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ" (لوقا 6: 44، 45). بمعنى، أنّ الإنسان لا يستطيع أن يفعل الصلاح حتى يصير هو أولا صالحا. لذلك، فالأعمال الصادرة من شخص خاطئ ليس لديها أي تأثير البتة لتجعله بارا، لكن، على النقيض، بحكم أنها آتية من قلب شرير، فهي شريرة وبالتالي تزيد من الحصيلة الإجماليّة لشرّه. الشر فقط هو كل ما يستطيع أن ينتجه القلب الشرير، والشر المتضاعف لا يمكن أن يفعل عملا واحدا صالحا؛ لذلك، فمن العبث أن يفكر الإنسان   الشرير أن يصبح بارّا بمجهوداته الشخصية. فينبغي أن يُجعل هو أولا بارا قبل أن يفعل الصلاح المطلوب منه والذي يريد هو أن يفعله.

فالقضية، إذاً، كما يلي: 1- ناموس يهوه هو بر كامل، والامتثال له هو أمر محتوم لكل شخص سوف يدخل ملكوت السموات. 2- ولكن الناموس ليس فيه أية ذرّة من البر ليعطيها للإنسان، لأن الجميع خطاة وغير قادرين أن يوفوا مطاليبه. بالرغم من شدة الجهد أو الغيرة التي يقوم بها الإنسان  ، فلا شيء يستطيع أن يفعله ليتمم المقياس الكامل لمطاليب الناموس. فإنّه مقياس عالٍ جدا لكي يصله؛ فهو لا يستطيع أن يحصل على البر من خلال الناموس. "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ" يا لها من حالة يرثى لها! ينبغي أن نحصل على بر الناموس وإلا فلن نستطيع الذهاب إلى السماء، وفي الوقت نفسه لا يوجد أي برّ في الناموس لأيّ من الناس. فأفضل جهودنا التحفيزيّة والمستمرة لن تستطيع أن توفّر لنا أقل قدر من تلك القداسة التي بدونها لن يرى أحد السيّد.

فمن، إذاً، يستطيع أن يخلص؟ فهل هنالك شيء يدعى إنسانا بارا؟ نعم، لأنّ الكتاب يتكلّم عنهم مرارا. فهو يتكلم عن لوط "كرجل بار" تقول الأية: "قُولُوا لِلصِّدِّيقِ (أي البار) خَيْرٌ! لأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ ثَمَرَ أَفْعَالِهِمْ" (أشعياء 3: 10)، فهذا يبيّن لنا أنّه سيكون هناك أشخاص أبرار سينالون مكافأتهم، وتعلن أيضا بوضوح أنّه سيكون هنالك أخيرا أمة بارّة، في قوله: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يُغَنَّى بِهذِهِ الأُغْنِيَّةِ فِي أَرْضِ يَهُوذَا: لَنَا مَدِينَةٌ قَوِيَّةٌ. يَجْعَلُ الْخَلاَصَ أَسْوَارًا وَمَتْرَسَةً. اِفْتَحُوا الأَبْوَابَ لِتَدْخُلَ الأُمَّةُ الْبَارَّةُ الْحَافِظَةُ الأَمَانَةَ" (أشعياء 26: 1، 2). يقول داود: "شريعتك حق" (مزمور 119: 142). فهي ليست فقط حق، بل هي مجموع  كل الحق؛ وبالتالي، فالأمة التي تحفظ الحق ستكون أمة تحفظ ناموس يهوه. فهؤلاء سيكونون صانعين مشيئته، وسوف يدخلون إلى ملكوت السموات.


يهوه بـرّنا

فالسؤال، هو كيف يمكن الحصول على هذا البر الذي سيمكّننا من الدخول إلى المدينة السماوية؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في عمل الإنجيل العظيم. دعونا أولاً نستعرض مثالا عن التبرير أو هبة البر. فهذه الحقيقة ستساعدنا على فهم النظرية بطريقة أفضل. هذا المثال مسجل لنا في )لوقا 18: 9-14( في الكلمات التالية: "وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ: إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: يهوهمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: يهوهمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ".

أعطِيَ لنا هذا المثل لنرى كيف لا يمكن، أو كيف يمكن أن نصل إلى البر. فالفريسيون لم ينقرضوا بعد؛ لإنه يوجد الكثير منهم في أيامنا هذه ممن يتوقّعون أن يحصلوا على البر من خلال أعمالهم الحسنة. فهم يثقون في أنفسهم أنهم أبرار. قد لا يفتخرون دائما بصلاحهم، ولكنهم يُظهرون ذلك بطرق آخرى بأنهم يثقون ببرّهم. ربما روح الفريسي-- الروح التي تُعدّد ليهوه أعمال الإنسان   الحسنة لتحظى بقبول يهوه لها-- تتواجد بكثرة كما في أي مكان آخر بين المدعوين مسيحيين الذين يشعرون بثقل خطاياهم وهم يرزحون تحتها. فهم يعلمون أنهم أخطأوا، ويشعرون بالإدانة. هؤلاء يحزنون على حالتهم الخاطئة وينتقدون ضعفهم. فشهادتهم لا ترتفع أكثر من هذا المستوى. في بعض الأحيان يمتنعون عن الكلام بسبب خجلهم في الاجتماعات العامة، ومرارا كثيرة لا يجرؤون على التقرب من إلههم في الصلاة. بعد أن يكونوا قد أخطأوا لدرجة كبيرة أكثر من العادي، فهم يمتنعون عن الصلاة لبعض الوقت، حتى يختفي إدراكهم الظاهر لفشلهم أو إلى أن يتخيلوا أنهم عوضوا عن فشلهم بالقيام بأحد الأعمال التي توضح السلوك الحسن. فعلامَ يدل هذا؟ يدل هذا على الروح الفريسية التى تستعرض برّها الذاتي في وجه الخالق؛ والتى لن تأتي إليه إلا إذا كانت لديها ما تستند عليه من إعانتها الذاتية لصلاحها الوهمي. فهؤلاء يريدون أن يقولوا ليهوه، "أنظر كم كنت حسنا في الأيام القليلة الماضية؛ فبكل تأكيد أنك سوف تقبلني".

ولكن ما هي نتيجة هذا؟ فالرجل الذي وثق في برّه لم يحصل على شيء، بينما الرجل الذي صلى، بقلب شاعر ومنسحق، "يا يهوه أرحمني أنا الخاطىء" رجع إلى بيته رجلا بارّا. يقول لنا المسيح  أنّه أنصرف إلى بيته مبرّرا؛ أي أنه، أصبح مبررا.

نلاحظ أنّ العشّار عمل شيئا أكثر من النوح على خطاياه؛ فلقد طلب الرحمة. ما هي الرحمة؟ هي عمل محبة غير مستحقّ. فهو الميل لمعاملة الإنسان  بأفضل مما يستحق. فكلمة الوحي تقول لنا عن يهوه، "لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ" (مزمور 103: 11). فهذا معناه، أنّ المقياس الذي يعاملنا به خالقنا هو أفضل مما نستحق عندما نأتي إليه بتواضع، إنّه يمثل المسافة بين الأرض وأعلى السموات. فبأية طريقة يعاملنا بها أفضل مما نستحق؟ في أخذه لخطايانا بعيدا عنا، لأنّ العدد التالي يقول. "كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا". فهذا يتفق مع كلمات التلميذ الحبيب، "‏إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1 يوحنا 1: 9).

نص إضافي يوضح رحمة يهوه، وكيف يظهرها نحونا، نقرأ في (ميخا 7: 18، 19) "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. ‏يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ" فدعونا الأن نقرأ أيات الكتاب المباشرة وكيف نحصل على البر.

الرسول بولس، بعد أن برهن أن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد يهوه، وأنّ بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، يكمل حديثه ويقول لنا: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيهوشوه المسيح، الَّذِي قَدَّمَهُ يهوه كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ يهوه.26 لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بيهوشوه" (رومية 3: 24-26).

"مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا". فكيف يكون الأمر بخلاف ذلك؟ لإن أفضل جهود الإنسان  الخاطئ ليس لديها أقل تأثير لإنتاج أي بر؛ فمن الواضح أنّ الطريقة الوحيدة التي تمكن الإنسان  من الوصول إليه هي أن يصبح هذا البرّ هبةً. فالبر هو عطية مجانية وهذا ما أوضحه بولس في (رومية 5: 17) "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يهوشوه المسيح !". وبما أن البرّ هو هبة، فالحياة الأبدية التي هي مكافأة البر تصير عطية يهوه، من خلال يهوشوه المسيح سيدنا.

لقد أُرسِل المسيح من قبل يهوه باعتباره الشخص الذي من خلاله يتم منح الغفران لخطايا الناس؛ وهذا الغفران يوجد ببساطة في إعلان بره (الذي هو بر يهوه) للصفح عن الخطايا. يهوه، "الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ" (أفسس 2: 4) والذي يُسرّ بها، يضع بره هو على الخاطئ الذي يؤمن بالمسيح، كبديل عن خطاياه. بالتأكيد، فهذه مقايضة مربحة للخاطئ، ولا تسبّب خسارة لدى يهوه، لإنه غير محدود في القداسة وهذه المؤونة لا تنفذ .

الأيات التي نحن بصدد دراستها (رومية 3: 24- 26) هي فقط عبارات من (الأعداد 21، 22)، تتبع الإعلان القائل: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ". ثم يضيف الرسول، "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ يهوه بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ يهوه بِالإِيمَانِ بِيهوشوه المسيح، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ" يهوه يضع بره على المؤمن. ويغطّيه به، حتى لا تظهر خطيته. ثم بعد ذلك يستطيع الشخص المغفورة خطاياه أن يهتف مع النبي قائلا: "فَرَحًا أَفْرَحُ بِيهوه. تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلهِي، لأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَصِ. كَسَانِي رِدَاءَ الْبِرِّ، مِثْلَ عَرِيسٍ يَتَزَيَّنُ بِعِمَامَةٍ، وَمِثْلَ عَرُوسٍ تَتَزَيَّنُ بِحُلِيِّهَا" (أشعياء 61: 10).

ولكن ماذا عن "بر يهوه بدون الناموس؟" فكيف نوفّق بينه وبين العبارة القائلة أنّ الناموس هو برّ يهوه، وخارج مطاليبه لا يوجد أي بر؟ لا يوجد أي تناقض هنا. فالناموس غير مهمل في هذا الإجراء. لاحظ بدقة: من أعطى الناموس؟ المسيح. كيف أعلنه؟ "كمن له سلطة", كيهوه. فالناموس صدر منه كما صدر من الآب وببساطة فهو إعلان عن بر صفاته. لذلك فالبر الناتج عن الإيمان بيهوشوه المسيح هو نفس البر المتضمن فى الناموس، وهذا مثبت لاحقا في حقيقة أنه "مشهودا له من الناموس".

لندع القارئ يتصور المشهد. هنا يقف الناموس كالشاهد اليقظ ضد الخاطئ. فهو لا يستطيع أن يتغير، ولن يدعي أن الخاطئ هو إنسان بار. والخاطئ المبكت يحاول مرارا وتكرارا أن يحصل على البر من الناموس، ولكن الناموس يقاوم كل محاولاته. فلا يمكن إرشاؤُه بأية كمية من الأعمال التكفيرية أو ما يسمى بالأعمال الحسنة. ولكن هناك يقف المسيح ، "مملوء نعمةً" كما هو مملوء حقاً سواء بسواء، داعيا الخاطئ إليه. وفي النهاية بعد أن يكون الخاطئ قد أنُهك تعبا من صراعه اليائس للحصول على البر من الناموس، يسمع صوت المسيح ويهرب إلى ذراعيه المفتوحة على سعتها. وهو إذ يختبئ في المسيح، فهو مغطى ببرّه، والآن أنظر! فهو حصل عن طريق الإيمان بالمسيح على ما كان يجاهد عبثا للحصول عليه. فلديه البر الذي يطلبه الناموس، وهذا هو النموذج الأصلي، لإنه حصل عليه من مصدر البر، من ذات المكان الذي آتى منه الناموس. والناموس يشهد لأصالة هذا البر. فهو يقول أنّ الإنسان  طالما يحتفظ بهذا البر، فعندما يذهب إلى المحاكمة سوف يدافع عنه (عن الإنسان ) ضد المشتكين عليه. فسيشهد لحقيقة أنه إنسان بار. بالبر الذي "وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ المسيح، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ يهوه بِالإِيمَانِ" (فيلبي 3: 9)، بولس كان واثقا من أنه سيقف محمياً في يوم المسيح.

في هذا الإجراء لا يوجد مجال لإيجاد خطأ. فيهوه بار، وفي نفس الوقت هو من يبرر الإنسان  الذي يؤمن بيهوشوه. ففي المسيح  يحل كل ملء اللاهوت. فهو متساو مع الآب في كل الصفات. ونتيجة لذلك فالفداء الذي فيه-- القدرة على شراء وأسترداد الإنسان  الضال-- هو غير محدود. عصيان الإنسان  موجّه ضد الإبن بنفس المقدار ضد الآب، لإن الأثنين واحد. لذلك، فالمسيح  عندما "بذل نفسه من أجل خطايانا"، فكان هو الملك المتألم لأجل رعاياه العصاة--المجروح من أجلهم ومتغاضيا عن جرم المذنب. لا يوجد أي متشكك ينكر أن الإنسان  لديه الحق والامتياز أن يعفو عن أي جرم ارتكب في حقه؛ فلماذا إذاً كلّ هذه الضجة عندما يمارس يهوه نفس هذا الحق؟ بالتأكيد إذا أراد هو أن يعفو عن ما سبب له الضرر، فلديه الحق في ذلك، وأكثر من ذلك، لإنه يبرر كرامة ناموسه بإخضاع شخصه للعقوبة التى كانت من حق الخاطئ. ولكنّ البار تألم من أجل المجرم. هذا صحيح، لكن المتألم البار "بذل نفسه" طواعية، لكي يقدر بالعدل تجاه حكومته أن يفعل ما أملت عليه محبته، أي، التغاضى عن الجروح التي لحقت به كرئيس هذا الكون.

والأن نقرأ كلمات يهوه نفسه بخصوص اسمه-- كلمات أعطيت في وجه واحدة من أسوء حالات النزاع التي صدرت في حقه: "فَنَزَلَ يهوه فِي السَّحَابِ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ هُنَاكَ وَنَادَى بِاسْمِ يهوه. فَاجْتَازَ يهوه قُدَّامَهُ، وَنَادَى يهوه: "يهوه إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. ‏حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً. مُفْتَقِدٌ إِثْمَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ، وَفِي أَبْنَاءِ الأَبْنَاءِ، فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ" (خروج 34: 5-7).

هذا اسم الإله (يهوه). إنه يمثّل صفاته التي من خلالها يعلن نفسه للإنسان، النور الذي يشتاق أن يقدّره به الناس. ولكن ماذا عن التصريح القائل أنه "لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً"؟ هذا يتماشى بالتمام مع كونه بطيء الغضب وكثير الإحسان وغافر إثم شعبه. فهذا صحيح أنّ يهوه لن يبرىء المجرم بأي حال من الأحوال. فهو لا يستطيع أن يفعل ذلك ويبقى كإله بار وعادل. ولكنه يفعل شيئا أفضل بكثير. فهو يزيل الجرم، حتى لا يُحتاج من أجرم في الماضي أن تثبت براءتهُ-- لإنه قد تبرر وحُسِب كأنه لم يفعل خطية.

فلا يجب أن يستهزئ أحد بخصوص العبارة القائلة، "لبس (وضع عليه) البر" كأنّما هذا الشيء هو نفاق. البعض قال ممن عندهم نقص واضح لتقدير قيمة عطية البر، أنّهم لا يريدون برا ً "يوضع عليهم" ولكنهم يريدون فقط ذلك البر الذي يأتي من الحياة، مستخفّين ببر يهوه، الذي هو بالإيمان بيهوشوه المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. نحن نتفق مع وجهة نظرهم كما هي ظاهرة بشكل اعتراض ضد النفاق، لمن لهم صورة للتقوى بدون قوتها، ولكن يجب على القارىء أن يضع هذه الفكرة في عقله: إنّ الفرق كل الفرف يكمن في مَن سيضع البرّ. فلو حاولنا أن نضعه على أنفسنا، فبالحقيقة سوف نضع فقط ثوب عِدّة، بغضّ النظر عن مدى جمال منظره لنا، ولكن عندما يُلبسه لنا المسيح، فلا يجب أن ننبذه أو نرفضه. لاحظ هذه العبارة في أشعياء: "كَسَانِي رِدَاءَ الْبِرِّ". البر الذي يكسينا به المسيح  هو البر الذي يلقى استحسان يهوه الآب، وإذا كان يهوه راضيا ً به، فبالتالي لا يجب على الإنسان  أن يحاول إيجاد أي شيء أفضل.

ولكننا سوف نأخذ المسألة خطوة ً للأمام وهذا سوف يبسّط الصعوبة. (زكريا 3: 1-5) يمدّنا بالحل. وتقول: "‏وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِمًا قُدَّامَ مَلاَكِ يهوه، وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ. ‏فَقَالَ يهوه لِلشَّيْطَانِ: "لِيَنْتَهِرْكَ يهوه يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ يهوه الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ! أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟". وَكَانَ يَهُوشَعُ لاَبِسًا ثِيَابًا قَذِرَةً وَوَاقِفًا قُدَّامَ الْمَلاَكِ. فَأَجَابَ وَكَلَّمَ الْوَاقِفِينَ قُدَّامَهُ قَائِلاً: "انْزِعُوا عَنْهُ الثِّيَابَ الْقَذِرَةَ". وَقَالَ لَهُ: "انْظُرْ. قَدْ أَذْهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ، وَأُلْبِسُكَ ثِيَابًا مُزَخْرَفَةً". فَقُلْتُ: "لِيَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً طَاهِرَةً". فَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةَ الطَّاهِرَةَ، وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابًا وَمَلاَكُ يهوه وَاقِفٌ".

نلاحظ في هذه الأيات أنّ نزع الثياب القذرة هو نفس العمل الذي يتم عندما تؤخذ خطايا الإنسان  بعيدا عنه. ولذلك نجد أنّه عندما يكسينا المسيح  بثوب بره هو، فهو لا يمدنا بعباءة تخفي تحتها الخطية بل هو يزيح الخطية بعيدا. وهذا يوضح أنّ غفران الخطايا هو شيء أكثر من مجرد إجراء، شيء أكثر من كونه يدوّن في سجلات السماء، بأن الخطية أصبحت لاغية. غفران الخطايا هو حقيقة واقعية؛ وشيء ملموس،  شيء يؤثّر بقوة حيوية على الإنسان . فهو يزيل شعور الإنسان  بالذنب، وبما أنّه أُبرِئ من الذنب، فهو مبرّر، أصبح بار، فهو بكل تأكيد قد مر بتغيير جذري. فهو، بالحقيقة، شخص آخر، لأنّه حصل على هذا البر للصفح عن الخطايا، في المسيح . لقد حصل عليه فقط بكونه لبس المسيح . لكن "إذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2 كورنثوس 5: 17). ولذلك فالغفران الكامل والمجاني للخطايا يحمل معه هذا التغيير المدهش العجيب، المعروف بأسم "الولادة الجديدة"، لإنه لا يستطيع الإنسان  أن يصير خليقة جديدة بدون أن يولد ثانية. هذا هو نفس الشيء عندما يكون لدينا قلب جديد أو قلب نقي.

القلب الجديد هو قلب يحبّ البرّ ويكره الخطية. فهو قلب يريد أن ينساق في طرق البر. فهذا هو القلب الذي تمناه يهوه لإسرائيل كي يملكوه عندما قال: "يَا لَيْتَ قَلْبَهُمْ كَانَ هكَذَا فِيهِمْ حَتَّى يَتَّقُونِي وَيَحْفَظُوا جَمِيعَ وَصَايَايَ كُلَّ الأَيَّامِ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ وَلأَوْلاَدِهِمْ خَيْرٌ إِلَى الأَبَدِ!" (تثنية 5: 29).

باختصار، فهو قلب خالٍ من محبة الخطية كما هو خال ٍ من الشعور بذنب الخطية. ولكن ما الذي يجعل الإنسان  يكون صادقا في رغبته للحصول على غفران خطاياه؟ ببساطة هو كراهيته لهذه الخطايا ورغبته في الحصول على البر، وهذه الكراهية والرغبة قد أشعلهما الروح القدس.

الروح القدس يجاهد مع كل إنسان. فهو يأتي كمبكت. فإذا سُمع صوت تبكيته، فهو في نفس اللحظة يبدأ وظيفته كالمعزي. فنفس الخضوع، وطبيعة اللين التي قادت الإنسان  ليقبل تبكيت الروح، سوف تقوده ليتبع تعاليم الروح، وبولس يقول "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ يهوه، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ يهوه" (رومية 8: 14).

مرة أخرى، ما هو سبب التبرير أو غفران الخطايا؟ هو الإيمان، لإنّ بولس يقول،"فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ يهوه بِسيدنا يهوشوه المسيح" (رومية 5: 1). بر يهوه معطى وموضوع على كل من يؤمن، (رومية 3: 22). ونفس تدريب الإيمان هذا يجعل الإنسان  ابنا ليهوه؛ لإن الرسول بولس يقول ثانية، "لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ يهوه بِالإِيمَانِ بالمسيح يهوشوه" (غلاطية 3: 26).

إنّ حقيقة كون أي شخص قد غُفرت خطاياه فهو في الحال يصبح ابنا ليهوه، موضحة في رسالة بولس إلى تيطس. فهو أولا يعرض لنا حالتنا الشريرة التي كنا عليها ثم بعد ذلك يقول (تيطس 3: 4-7): "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا يهوه وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيهوشوه المسيح مُخَلِّصِنَا. حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ ".

لاحظ أنّه بواسطة تبريرنا بالنعمة أصبحنا ورثة. لقد تعلمنا مسبقا من (رومية 3: 24، 25) أنّ هذا التبرير بنعمته هو من خلال الإيمان في المسيح ، لكن (غلاطية 3: 26) تقول لنا أنّ الإيمان بيهوشوه المسيح يجعلنا أولاد يهوه؛ لذلك، نحن نعلم أنّ كل من تبرّر بنعمة يهوه--قد أصبح مغفور الأثم-- فهو ابن ووارث ليهوه.

فهذا يوضّح أنّه لا يوجد أساس للفكرة القائلة أنّه ينبغي على الإنسان  أن يمرّ بنوع ما من الاختبار ويصل إلى درجة معينة من القداسة قبل أن يقبله يهوه كـابن له. فيهوه يقبلنا كما نحن. فهو لا يحبنا من أجل صلاحنا بل هو يحبنا من أجل أحتياجنا. فهو يقبلنا، ليس لأجل خاطر أي شيء يراه فينا ولكن من أجل خاطره هو ومن أجل ما يعلمه عن طريق قوته الإلهية وما تستطيع هي أن تصنع بنا. فقط عندما ندرك عظمة يهوه المدهشة وقداسته وحقيقة مجيئه لنا في حالتنا الخاطئة والمنحطة لكي يتبنُانا في أسرته، عندئذ نستطيع أن نقدّر قوة إعلان الرسول، "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ يهوه"(1يوحنا 3: 1). كل من تمتّع بهذا الإكرام سيطهّر نفسه، كما هو طاهر.

يهوه لا يتبنّانا كأولاد له لأنّنا صالحون، لكن لكي يجعلنا صالحين. يقول بولس، "الإله الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ المسيح ­ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ ­وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي المسيح يهوشوه، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي. المسيح  يهوشوه" (أفسس 2: 4-7). ثم يضيف، "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ يهوه. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي المسيح يهوشوه لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ يهوه فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (الأعداد 8-10). هذا المقطع يوضح لنا أنّ يهوه أحبّنا حينما كنّا أمواتا ً في الخطايا. فهو يعطينا روحه ليجعلنا أحياء في المسيح، ونفس الروح تتولى بنوتنا لدى العائلة الإلهية، وبهذا يتمّ التبني، فكمخلوقات جديدة في المسيح يمكننا أن نعمل الأعمال الحسنة التى قد عيّنها يهوه.


القبول من يهوه

كثير من الناس يترددون بأن يقوموا ببداية لخدمة يهوه، لأنّهم يخافون أنّ يهوه لن يقبلهم، وآلاف ممن يدعون أتباع المسيح  لعدة سنوات لا يزالون يشُكّون في قبول يهوه لهم. فلفائدة هذه الفئة أكتب، ولن أُربك عقولهم بتخمينات، بل سأحاول أن أعطيهم تأكيدات كلمة يهوه البسيطة.

"هل سيقبلني يهوه؟" سأجيب بسؤال آخر: هل سيقبل إنسان ما قد اشتراه؟ لو ذهبت إلى المتجر واشتريت بعض الأشياء، هل ستقبل ما اشتريته عندما يصلك إلى البيت؟ بالطبع سوف تقبله؛ لا يوجد مجال للتساؤل هنا. إنّ حقيقة كونك قد اشتريت هذه الأشياء ودفعت فيها نقود هو دليل كافٍ، ليس فقط أنّك مستعد لقبولها، ولكن أنّك مشتاق أيضا ً لتحصل عليها. فلو لم ترِدها لما كنت قد أشتريتها. بالإضافة إلى ذلك، كونك دفعت كثيرا لثمنها يجعلك أكثر شوقا للحصول عليها. لو كان الثمن الذي دفعته كبيرا وقد تعبت تقريبا كل عمرك لتربحه، فإذاً لن يوجد هنالك أي تسأول حول ما إذا كنت ستقبل هذه الأشياء أو لا، عندما تصلك البيت. وسيكون اهتمامك الأعظم هو فيما إذا كان هنالك أي تأخير في محاولة توصيلها إليك.

والأن دعونا نطبق هذا الإيضاح الطبيعي البسيط لحالة الخاطئ عندما يأتي إلى المسيح . أولا، نعلم أن المسيح  اشترانا. "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ يهوه، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (1 كورنثوس 6: 19، 20).

الثمن الذي دفع فينا كان دمه-- أي حياته. قال بولس لشيوخ أفسس: "اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ يهوه الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أعمال 20: 28). "عالمين إنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الأباء. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بطرس 1: 18، 19). "الذي بذل نفسه لإجلنا" (تيطس 2: 14). "الذي بذل نفسه لإجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب إرادة إلهنا الآب" (غلاطية 1: 4).

فهو لم يشتر ِ شريحة معينة من البشر، ولكن كل خطاة العالم. "لإنه هكذا أحب الإله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يوحنا 3: 16). قال يهوشوه، "الخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم" (يوحنا 6: 51). "لأَنَّ المسيح، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. وَلكِنَّ يهوه بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ المسيح لأَجْلِنَا" (رومية 5: 6، 8).

الثمن الذي ُدفع كان غير محدود، لذلك نعلم أنّ لديه رغبة شديدة في ما أشتراه. لقد ثبّت قلبه في الحصول عليه. ولم يستطع أن يستريح بدونه. اقرأ (فيلبي 2: 6-8؛ عبرانيين 12: 2؛ أشعياء 53: 11).

ويقول البعض: "ولكني غير مستحق" فذلك يعنى أنّك غير مستحق للثمن المدفوع وتخاف من أن تأتي إلى المسيح  لئلا يتراجع عن صفقة الشراء. يمكن أن يكون لديك بعض الخوف إذا كان الشراء لم يتم والثمن لم يدفع بعد. فإذا رفض أن يقبلك بسبب عدم استحقاقك للثمن المدفوع، فهو لن يخسرك أنت فقط بل أيضا القيمة المدفوعة. حتى ولو كانت الأشياء التي اشتريتها لا تستحق ما دفعت فيها، فأنت نفسك لن تكون غبيا كي تطرحها بعيدا. فستفضّل أن ترضى بأي مقابل للنقود التي دفعتها بدلا من أن لا تأخذ شيئا البتة.

ولكن، ينبغي أن لا يكون لديك أي علاقة بالسؤال عن موضوع الاستحقاق. عندما كان المسيح على الأرض وكان مهتماً بعملية الشراء، فهو "لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإنسان، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإنسان" (يوحنا 2: 25). لقد قام بعملية الشراء وعيناه مفتوحتان، وعلم القيمة المضبوطة لما اشتراه. فهو لا يستاء على الإطلاق عندما تأتى إليه، ويجدك غير مستحق ولا تساوي شيئا. فلا يجب أن تقلق بخصوص السؤال عن الاستحقاقية. فإذا كان هو، مع علمه الكامل لحالتك، إذا كان راضيا بأن يقوم بعملية الشراء، فيجب أن تكون أنت آخر من يعترض عليها.

لأنّه، وهذا هو أروع حق على الإطلاق، اشتراك من أجل السبب الذي جعلك غير مستحق. فعينه الفاحصة رأت فيك امكانيات عظيمة، وهو قد اشتراك، ليس لأجل ما كنت عليه في الماضي أو ما تساويه الأن، ولكن من أجل ما يستطيع أن يفعله لأجلك. فهو يقول: "أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي" (اشعياء 43: 25). لأنه ليس لدينا بر، فاشترانا هو، "لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ يهوه فِيهِ" يقول بولس: "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا. وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ، الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ" (كولوسي 2: 9، 10). هنا نستعرض المسألة بوضوح: فنحن "جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا، يهوه الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ المسيح. بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ. وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي المسيح يهوشوه، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي المسيح يهوشوه. لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ يهوه. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي المسيح يهوشوه لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ يهوه فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أفسس 2: 3-10).

يجب أن نعيش  لنكون "مدح مجد نعمته". لم يكن في استطاعتنا أن نكون كذلك إذا كنّا أصلا نستحق أو نساوي كل ما دفعه لأجلنا. فلن يكون هنالك أي مجد له في هذه المعادلة. فلن يستطيع، في الأزمنة القادمة، أن يظهر فينا غنى نعمته. ولكن عندما يأخذنا، ونحن لا نستحق شيئا، وفي النهاية يقدّمنا بلا عيب أمام العرش، فسيكون ذلك لمدح مجده الأبدي. ولن يوجد هناك من ينسبون الاستحقاق لإنفسهم. فخلال كل الأبدية، ستتّحد جماهير المقدّسين قائلين للمسيح: "مُسْتَحِق أَنْتَ... لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا ليهوه بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً" ، "مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ" (رؤيا 5: 9، 10، 12).

بالتأكيد كل شك حول حقيقة قبول يهوه لنا يجب أن نتخلص منه. ولكن ليس الأمر هكذا. فالقلب الشرير العديم الإيمان مازال يقترح علينا الشكوك. "أنا أُؤمن بكل ذلك، لكن..." هناك قف، قف هناك. لو آمنت لما قلت كلمة "لكن". عندما يضيف الناس كلمة "لكن" إلى عبارة أُؤمن، فهم بالضبط يعنون "أنا أُؤمن، ولكن لست أُؤمن". ولكن تستمر أنت (أيها القارئ) وتقول لي: "ربما أنت على صواب، ولكن اسمعني. ما كنت سأقوله هو، إنّي أُؤمن بعبارات الكتاب المقدس التي أقتبستَها، لكنّ الكتاب يقول أذا كنا أولاد يهوه سيكون لدينا شهادة الروح وستكون الشهادة في أنفسنا، وأنا لا أشعر بأي شهادة. لذلك، لا أستطيع أن أُؤمن أنّي للمسيح. أنا أُؤمن بكلمته، ولكن ليس لديّ الشهادة". أنا أفهم مشكلتك. دعني أرى إذا كان لا يمكن حلها.

بخصوص كونك للمسيح، أنت نفسك يمكن أن تتوصل لحل في هذا الشأن. لقد رأيت ما أعطيَ من أجلك. والأن السؤال هو، هل سلّمتَ نفسك له؟ لو فعلت هذا، يمكنك أن تطمئنّ أنّه قد قبلك. وإذا لم تكن للمسيح، فالسبب الوحيد في هذا هو رفضك لتسليمه ما قد أشتراه. فأنت تسلبه. فهو يقول، "طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ". (رومية 10: 21). فهو يتوسل إليك أن تعطيه ما قد اشتراه ودفع ثمنا فيه، بينما ترفض أنت أن تقوم بذلك وتتّهمه بأنه غير مستعد أن يقبلك. ولكن إذا كنت قد سلّمتَ نفسك له، من القلب، لتكون ابنه، يمكنك أن تطمئن بأنّه قبلك. والآن فيما يتعلق بتصديق كلامه، وتشكّكك من جهه قبوله لك، لأنك لا تشعر بشهادة ذلك في قلبك، فأنا أصِرّ على أنّك لم تؤمن بعد. فإنّك لو آمنت، فستكون لديك الشهادة. استمع لكلماته: "مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ يهوه فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ يهوه، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا يهوه عَنِ ابْنِهِ" (1 يوحنا 5: 10). الإيمان بالأبن هو ببساطة أن تصدق كلمته وأن تصدّق الشهادة المذكورة عنه.

و "مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ يهوه فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ". لا يمكن أن تحصل على الشهادة حتى تؤمن، وفورا عندما تؤمن، تصبح عندك الشهادة. كيف يتمّ هذا؟ لإنّ إيمانك في كلمة يهوه هو الشهادة. يهوه يقول أيضا: "وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى" (عبرانيين 11: 1).

لو كنتَ قد سمعْتَ صوت يهوه بأذنيك قائلا أنّك ابنه، فستعتبر أنّ هذه شهادة كافية. حسنا، عندما يتكلم يهوه في كلمته المقدّسة، فهي بالضبط نفس الشيء كأنّه قد تكلّم بصوت مسموع، وإيمانك هو الدليل على أنّك قد سمعتَ وصدّقت.

هذه مسألة هامّة جدا وتستحق التفكير الحريص. دعونا نقرأ قليلا من هذه الشهادة. أولا، نقرأ أننا جميعا "أَبْنَاءُ يهوه بالإيمان بالمسيح يهوشوه" (غلاطية 3: 26). هذا تأكيد إيجابي لما قلتهُ حول عدم إيماننا من جهه الشهادة. إيماننا يجعلنا أولاد يهوه. ولكن كيف نحصل على هذا الإيمان؟ "إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ يهوه" (رومية 10: 17). ولكن كيف نحصل على الإيمان من كلمة يهوه؟ فقط آمن أنّ يهوه لا يمكن أن يكذب. لإنه بكل صعوبة يمكنك أن تقول ليهوه في وجهه أنّه كاذب، ولكن هذا هو ما تفعله عندما لا تصدق كلمته. كل ما يجب عليك عمله لتصدّق هو أن تصدّق. "لكِنْ مَاذَا يَقُولُ؟ اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ أَيْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا: لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالسيّد يهوشوه، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ يهوه أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ. لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى" (رومية 10: 8-11).

كل هذا هو فى انسجام مع ما دونه لنا بولس. "اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ يهوه. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ يهوه وَوَارِثُونَ مَعَ المسيح" (رومية 8: 16، 17). هذه الروح التي تشهد لإرواحنا هي المعزي الذي وعد به المسيح  في (يوحنا 14: 16). ونحن نعلم أن شهادته هي حق، لإنه "روح الحق". والأن كيف يمكنه أن يحمل الشهادة؟ بتذكيرنا بكلمة يهوه المكتوبة. فالروح  أوحى بهذه الكلمات في (1 كورنثوس 2: 13؛ 2 بطرس 1: 21)، ولذلك فهو عندما يحضرها إلى ذاكرتنا، فهذا يتمّ تماما كما لو كان الروح يتحدّث إلينا مباشرة. فالروح يعرض على عقولنا سجل الكلمة، وقد اقتبسنا جزءً منه. ونحن نعلم أنّ شهادة الكتاب صادقة، لإن يهوه لا يمكنه أن يكذب. فيمكننا أن نطرد الشيطان بشهادته المزيفة ضد يهوه، عندما نؤمن بكلمة إلهنا، ولكن إذا آمنّا بشهادته، فنعلم أننا أولاد يهوه، ونصرخ قائلين: "يا أبا الأب". ثم بعد ذلك ينكشف الحق المجيد على نفوسنا بأكثر اكتمالا. فتكرار كلمات الوحي تجعلها حقيقة لنا. فهو أبونا؛ ونحن أولاده. يا له من فرح تجلبه هذه الفكرة! فلذلك نرى أنّ الشهادة التى لنا في أنفسنا ليست مجرد أنطباع أو إحساس. فيهوه لا يطلب منا أن نثق في شهادة لا يعتمد عليها أو في مشاعرنا. فمن يثق في قلبه هو أحمق، كما يقول الكتاب. ولكنّ الشهادة التي يجب علينا أن نثق بها هي كلمة يهوه الثابتة، وهذه الشهادة يمكننا أن نحصل عليها من خلال الروح، في داخل قلوبنا نحن. "فشكرا ليهوه على عطيته التي لا يُعبَّر عنها".

فهذا التأكيد لا يصرّح لنا بأن نتوانى في جهادنا ونسترخي في سعادة دائمة، كما لو أنّنا قد وصلنا إلى الكمال. يجب أن نتذكّر أنّ المسيح  يقبلنا ليس من أجل خاطرنا ولكن من أجل خاطره، ليس لأننا كاملين ولكن من خلاله يمكن أن نتقدم إلى الكمال. فهو يباركنا ليس لأننا كنّا أكثر صلاحا عن ما كنا في وقت سابق مما جعلنا نستحق بركة، ولكن لكي نستطيع في قوة البركة أن نبتعد عن معاصينا. (أعمال 3: 26). لكلّ من يؤمن بالمسيح ، فالقوة-- كالحق أو الامتياز-- تُعطى له ليصبح ابنا ليهوه. (يوحنا 1: 12). فإنه بواسطة "الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ" التى ليهوه من خلال المسيح  يمكننا أن نكون "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ" (2 بطرس 1: 4).

دعونا نفكر بأيجاز في التطبيق العملي لبعض من هذه الأيات الكتابية.


نُصرة الإيمان

يقول لنا الكتاب المقدس "أنّ البار بالإيمان يحيا". بر يهوه هو"معلن بإيمان لإيمان" (رومية 1: 17). لا يستطيع شيء أخر أن يشرح لنا عمل الإيمان أكثر من بعض الأمثال المسجلة لتعليمنا، "حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ" (رومية 15: 4). سنآخذ أولا، حدثا بارزا كما هو مدوّن في الأصحاح 20 من سفر الأخبار الأيام الثانية. لندع القارئ يتتبع التعليق التالي من كتابه المقدس.

"ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ أَتَى بَنُو مُوآبَ وَبَنُو عَمُّونَ وَمَعَهُمُ الْعَمُّونِيُّونَ عَلَى يَهُوشَافَاطَ لِلْمُحَارَبَةِ. فَجَاءَ أُنَاسٌ وَأَخْبَرُوا يَهُوشَافَاطَ قَائِلِينَ: قَدْ جَاءَ عَلَيْكَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ عَبْرِ الْبَحْرِ مِنْ أَرَامَ، وَهَا هُمْ فِي حَصُّونَ تَامَارَ. هِيَ عَيْنُ جَدْيٍ" (2 أخبار:1، 2) .

فهذا الجمع العظيم جعل الملك والشعب يخافون، ولكنهم أخذوا الموقف السليم واجتمعوا معا، "لِيَسْأَلُوا يهوه. جَاءُوا أَيْضًا مِنْ كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا لِيَسْأَلُوا يهوه" عدد 3، 4. ثم بعد ذلك صلى يهوشافاط، كرئيس لهذا الجمع، وهذه الصلاة جديرة بالدراسة، لأنها كانت صلاة إيمان وحملت في طياتها بداية النصرة:

"فَوَقَفَ يَهُوشَافَاطُ فِي جَمَاعَةِ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ فِي بَيْتِ يهوه أَمَامَ الدَّارِ الْجَدِيدَةِ وَقَالَ: يَا يهوه إِلهَ آبَائِنَا، أَمَا أَنْتَ هُوَ يهوه فِي السَّمَاءِ، وَأَنْتَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى جَمِيعِ مَمَالِكِ الأُمَمِ، وَبِيَدِكَ قُوَّةٌ وَجَبَرُوتٌ وَلَيْسَ مَنْ يَقِفُ مَعَكَ؟" عدد 5، 6.

كانت هذه بداية ممتازة للصلاة. فهي تبدأ بالاعتراف أنّ الإله في السماء. كما يبدأ نموذجنا في الصلاة، "آبانا الذي في السموات". فعلى ماذا يدلّ هذا؟ يدل على أنّ الإله، كما هو إله في السموات، هو خالق. فهي تحمل معها الاعتراف بسلطانه على كل ممالك العالم وقوات الظلمة؛ فحقيقة كونه في السموات، كالخالق، تُظهر أنّ في سلطة يده القوة والقدرة، ولذلك لا يستطيع أحد أن يقف ضدّه. لماذا؟ لإن الإنسان  الذي يستطيع أن يبدأ صلاته في ساعة الحاجة بمثل هذا الاعتراف بقوة يهوه، قد أصبح في جانب النصرة. فلنلاحظ أنّ يهوشافاط لم يعلن فقط إيمانه بقوة الإله العجيبة، ولكنّه طالب بقوة يهوه على أنّها قوته، بقوله: "أَلَسْتَ أَنْتَ إِلهَنَا؟". فقد وفى يهوشافاط مطلب الكتاب القائل: "وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى يهوه يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ" (عبرانيين  11 :  6).

فابتدأ يهوشافاط يعدّد عمل يهوه معهم عندما أسّسهم في أرضهم، وكيف مع أنه لم يسمح لهم بأن يغزوا موآب وعمّون، فهذه الشعوب أتت لتطردهم من أرض ميراثهم التى أعطاها لهم يهوه، عدد 7-11. ثم بعد ذلك يختتم صلاته قائلا: "يَا إِلهَنَا أَمَا تَقْضِي عَلَيْهِمْ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ الآتِي عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا نَعْمَلُ وَلكِنْ نَحْوَكَ أَعْيُنُنَا" عدد 12. "يا يهوه، لَيْسَ فَرْقًا عِنْدَكَ أَنْ تُسَاعِدَ الْكَثِيرِينَ وَمَنْ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ" (2 أخبار الأيام 14: 11)، وبما أنّ عيني يهوه تجولان في كل الارض ليتشدد مع الذين قلوبهم كاملة نحوه (2 أخبار الأيام 16: 9)، فيحسن بمن هم في عوز أن يثقوا به هو وحدهُ. فهذا الموقف من يهوشافاط وشعبه كان في تناسق تام مع الوصية الرسولية، "نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يهوشوه"(عبرانيين 12: 2). إنّه البداية والنهاية، وكل القوة التي في السماء والأرض هي في يده.

والأن ماذا كانت النتيجة؟ أتى نبي يهوه بقوة الروح القدس، "فَقَالَ: اصْغَوْا يَا جَمِيعَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، وَأَيُّهَا الْمَلِكُ يَهُوشَافَاطُ. هكَذَا قَالَ يهوه لَكُمْ: لاَ تَخَافُوا وَلاَ تَرْتَاعُوا بِسَبَبِ هذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ، لأَنَّ الْحَرْبَ لَيْسَتْ لَكُمْ بَلْ ِليهوه" عدد 15.

وبعد ذلك جاء الأمر بأن يذهبوا في الصباح لملاقاة العدو، وسوف يرون خلاص يهوه، لإنه سيكون معهم. والأن يأتي الجزء الأهم: "وَبَكَّرُوا صَبَاحًا وَخَرَجُوا إِلَى بَرِّيَّةِ تَقُوعَ. وَعِنْدَ خُرُوجِهِمْ وَقَفَ يَهُوشَافَاطُ وَقَالَ: اسْمَعُوا يَا يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، آمِنُوا بِيهوه إِلهِكُمْ فَتَأْمَنُوا. آمِنُوا بِأَنْبِيَائِهِ فَتُفْلِحُوا. وَلَمَّا اسْتَشَارَ الشَّعْبَ أَقَامَ مُغَنِّينَ ليهوه وَمُسَبِّحِينَ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ أَمَامَ الْمُتَجَرِّدِينَ وَقَائِلِينَ: احْمَدُوا يهوه لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ" عدد 20، 21.

بالتأكيد، كانت هذه طريقة غريبة للذهاب إلى الحرب. جيوش قليلة ذهبت إلى الحرب بجبهة حربية مثل هذه. ولكن ماذا كانت النتيجة؟ "وَلَمَّا ابْتَدَأُوا فِي الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ جَعَلَ يهوه أَكْمِنَةً عَلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ وَجَبَلِ سِعِير الآتِينَ عَلَى يَهُوذَا فَانْكَسَرُوا. وَقَامَ بَنُو عَمُّونَ وَمُوآبُ عَلَى سُكَّانِ جَبَلِ سِعِير لِيُحَرِّمُوهُمْ وَيُهْلِكُوهُمْ. وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ سُكَّانِ سِعِير سَاعَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى إِهْلاَكِ بَعْضٍ. وَلَمَّا جَاءَ يَهُوذَا إِلَى الْمَرْقَبِ فِي الْبَرِّيَّةِ تَطَلَّعُوا نَحْوَ الْجُمْهُورِ وَإِذَا هُمْ جُثَثٌ سَاقِطَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَلَمْ يَنْفَلِتْ أَحَدٌ."عدد 22-24.

لو كانت هنالك جيوش قليلة  قد ذهبت إلى الحرب بجبهة حربية كالتى ذهب بها جيش يهوشافاط، فلنا أن نتأكد بنفس القدر أنّ جيوشا قليلة قد كوفئت بنصرة فريدة كهذه. لن يكون من العبث أن ندرس قليلا عن فكرة نصرة الإيمان، كما هي موضحة في هذه الحالة. عندما كان العدو واثقا بنفسه لسبب كثرة عدده، سمع الإسرائيليّين قادمين إليه في الصباح، مغنّين وهاتفين، فماذا استنتجوا؟ لا شيء غير أنّ الإسرائيليين أتتهم تعزيزات معونة وتقووا بشدة وسيكون من العبث محاولة اعتراضهم. أيضا أصابهم الرعب، وكل واحد منهم نظر إلى قريبه كأنّه عدو له. وهل كانوا على صواب في استنتاجهم هذا، بأنّ أسرائيل جاءتهم معونة؟ بالفعل كانوا على صواب، لإنّ سجل الوحي يقول لنا،"وَلَمَّا ابْتَدَأُوا فِي الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ جَعَلَ يهوه أَكْمِنَةً عَلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ وَجَبَلِ سِعِير" فجيش يهوه، الذي وثق فيه يهوشافاط وشعبه، حارب عنهم. لقد أتاهم حلفاء وبدون شك إذا فتِحَت أعينهم ليروا، لكانوا رأوا، كما رآى خادم أليشع ذات مرة، أنّ من كانوا معهم كانوا أكثر عددا ممن كانوا للعدو.

ولكن النقطة التي يجب أن تلاحَظ هي أنّه عندما ابتدأ إسرائيل في الغناء والتسبيح جعل يهوه أكمنة ضد العدو. على ماذا يدل هذا؟ يدلّ على أنّ إيمانهم كان حقيقيا. فوعد يهوه حُسب صادقا تماما كالإنجاز الذي تمّمه. فهم إذاً آمنوا بيهوه، أو بالحري بنوا على يهوه، ولذلك أصبحوا مؤسسين، أو متثبّتين. فقد أثبتوا صحة حق الكلمات التالية: "وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا" (1 يوحنا 5: 4).

دعونا الأن نطبّق اختبار إسرائيل هذا على حالة صراع ضد الخطية. فلدينا هنا مثل على تجربة جبارة لفعل شيء نعلم أنّه خطأ. لقد ثبت لدى نفوسنا الحزينة حقيقة قوة التجربة، لإنها قهرتنا، ونعلم جيدا أنّه ليس لدينا القوة لمحاربتها. ولكن الأن عيوننا نحو يهوه، الذي قال لنا أن نأتي بثقة إلى عرش النعمة، لكي نجد رحمة ونعمة لتساعدنا في وقت حاجتنا.  فنبدأ إذاً بالصلاة ليهوه في طلب المساعدة. ونصلي للإله الظاهر لنا في الكتاب المقدس كخالق السماء والأرض. ونبدأ، ليس بعبارة حزينة تعبر عن ضعفنا، ولكن باعتراف فرح بقوة يهوه العظيمة. وبعد أن نحسم هذه النقطة، يمكننا بعدها أن نعرض مشكلتنا وضعفنا. لو عرضنا ضعفنا وحالتنا اليائسة أولا، فنحن نضع أنفسنا قبل يهوه. وفي هذه الحالة سيعظّم الشيطان مشكلتنا وسيلقي بظلامه حولنا حتى لا نرى شيئا آخر غير ضعفنا، ومع أنّ صراخاتنا وتوسلاتنا قد تكون غيورة ومثابرة، سيكونان بلا فائدة، لإنّ ما ينقصهما هو العامل الأساسي للإيمان بأن يهوه موجود وهو قادر على فعل كل ما أعلن عن نفسه بأنه يقدر أن يفعله. ولكن عندما نبدأ بأعترافنا بقوة يهوه، يمكننا بعد ذلك أن نعرض عليه بأطمئنان ضعفاتنا، لإننا ببساطة نضع ضعفنا إلى جانب قوته، وهذا الفارق يولد الشجاعة.

وبعد أن نصلى، فوعد يهوه يأتي إلى الذاكرة، بواسطة الروح القدس. يمكن أنّنا لا نفكر في وعد معين ليتناسب مع ما نمرّ به، لكن نستطيع أن نتذكر أنه "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ المسيح يهوشوه جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا" (1 تيموثاوس 1: 15)، وأنه " الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ يهوه وَأَبِينَا"(غلاطية 1: 4)، ويمكننا أن نعلم أنّه في هذا الوعد التالى يُحمل كل وعد أخر، لإنه "لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟"(رومية 8: 32).

ثم نتذكر أنّ يهوه يستطيع أن يتكلم عن هذه الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة. وهذا معناه، أنّه عندما يعطي يهوه وعدا، فهو جيد جدا كما لو أنه قد نُفذ تماما. وبينما نعلم أن خلاصنا من الشر هو حسب إرادة يهوه (غلاطية 1: 4)، يمكننا أن نحسب أنّ النصرة أصبحت ملكنا ونبدأ بشكر يهوه على "مواعيده العظمى والثمينة". وفيما يتمسّك إيماننا بهذه المواعيد ويجعلها حقيقة لنا، لا يسعنا الإ أن نسبّح يهوه على محبته العجيبة، وأثناء تسبيحنا هذا، ستتحول أذهاننا بعيدا عن الشر ويصبح النصر حليفنا. فالسيد يهوشوه يضع أكمنة ضد العدو. فعزمنا على التسبيح يظهر للشيطان أننا حصلنا على المعونة، وبعد أن يفحص قوة المعونة المعطاة لنا، فهو يعلم أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا في هذا الوقت، مما يضطره إلى مغادرتنا. هذا يفسّر عمق وصية الرسول القائلة: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ {الذي معناه أن لا نقلق بخصوص أي شيء}، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى يهوه" (فيلبي 4: 6).


عبيد مكبّلون ورجال محرّرون

إنّ قوة الإيمان على إحراز النصرة يمكن أن تُوضّح بأيات أخرى عملية جدا. في المقام الأول، يجب أن ندرك أن الخاطئ هو عبد. قال المسيح ، "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ" يوحنا 8: 34. يقول بولس أيضا، واضعا نفسه في مكان الإنسان  الغير المتجدد،"فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة" رومية 7: 14. الإنسان الذي يُباع هو عبد؛ لذلك، فالإنسان المباع تحت الخطية هو عبد للخطية. بطرس يستخدم نفس الحقيقة،عندما يتكلم عن المعلمين الفاسدين الكاذبين، فيقول: "وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ. لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ، فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا!" 2 بطرس 2: 19.

صفات العبد البارزة هي أنه لا يستطيع أن يفعل ما يشاء، ولكنه مُجبَر أن يفعل مشيئة شخص أخر، بغض النظر عن مدى العناء المطلوب. ولذلك يبرهن لنا بولس حقيقة مقولته أنه، كجسدي، كان عبد للخطية."لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" .رومية 7: 15، 17-19.

إنّ حقيقة كون الخطية تتحكم في الإنسان تثبت كونه عبدأ، ومع أنّ كل من يفعل الخطية هو عبد للخطية، فالعبودية تصبح غير محتملة عندما يحظى الخاطئ بوميض من الحرية فمن ثم يشتاق إلى هذه الحرية، ومع ذلك فهو لا يستطيع أن يكسر السلاسل التي تقيده بالخطية. فاستحالة كون الإنسان الغير متجدد قادرا على أن يفعل حتى  لو الصالح الذي يريده قد سبق وأوضحت في رومية 8: 7، 8 وغلاطية 5: 17.

كم من الناس قد برهنوا في اختبارهم على صحة هذه الأيات! كم عدد الذين صمّموا مرارا وتكرارا على محاربة الخطية مرة بعد الأخرى بعزائم صادقة! لكن تبرهن لهم أنهم حينما كانوا يقفون للتجارب وجها لوجه كانوا ضعفاء كالماء. فليس لهم قوة، ولم يعلموا ماذا يفعلوا، وللأسف، لم تكن عيونهم مثبتة على يهوه بقدر كاف كما كانت مثبتة على أنفسهم وعلى العدو. إنّ اختبارهم هو صراع مستمر ضد الخطية، هذا صحيح، ولكنه اختبار هزائم مستمر أيضا.

فهل تسمي هذا اختبارا مسيحيا؟ يوجد بعض من يعتقدون هكذا. فلماذا، إذاً، صرخ الرسول عاليا في عذاب نفسه قائلا: "وَيْحِي أَنَا الإنسان الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" رومية 7: 24. هل المسيحي الحقيقي يختبر جسد الموت بقصوة لدرجة أنّ نفسه مضطرة لتصرخ في طلب الخلاص؟ بالحقيقة لا.

فمن هو الذي يستطيع أن يجيب على هذه الاستغاثة، ويُظهر نفسه كالمخلص من هذا الظرف؟ يقول بولس، "أَشْكُرُ يهوه بِيهوشوه المسيح سيدنا!" في موضع أخر يقول عن المسيح:

"فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ" عبرانيين 2: 14، 15.

مرة أخرى يعلن لنا المسيح مهمّته: "رُوحُ السَّيِّدِ يهوه عَلَيَّ، لأَنَّ يهوه مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" أشعياء 61: 1.

لقد أوضحنا ما هي هذه القيود وهذا الأسر. فهي قيود الخطية-- العبودية المتسلّطة لتجعل الإنسان يفعل الخطية، حتى ضدّ إرادته، من خلال قوة الميول والعادات الشريرة الموروثة والمكتسبة لعمل الشر. هل يخلّص المسيح من اختبار مسيحي حقيقي؟ لا بالطبع. أذا فعبودية الخطية، التي يشكو منها في الأصحاح السابع من رومية، ليست هي اختبار أبناء يهوه، ولكن اختبار خادم الخطية. لقد أتى المسيح  لأجل خلاص الناس من هذه العبودية، وليس ليخلصنا في هذه الحياة من الحروب والمصاراعات ولكن ليخلصنا من الهزيمة؛ ليجعلنا أقوياء في يهوه وفي قوة عظمته، لكي نعطى شكرنا للآب "الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ"، "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ".

فكيف يتم هذا الخلاص؟ بواسطة ابن يهوه. يقول المسيح: "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ"، "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" يوحنا 8: 31، 32، 36. هذه الحرية تأتي لكل من يؤمن، لأن كل من يؤمنون باسمه يعطيهم "سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ يهوه" فالخلاص من الإدانة يصبح نصيبا لكل من هم في المسيح  يهوشوه (رومية 8: 1)، ثم نلبس المسيح  بالإيمان (غلاطية 3: 26، 27). إنّه بواسطة الإيمان يستطيع المسيح أن يحلّ فى قلوبنا.


أمثلة عملية على الخلاص من العبودية

والآن دعونا ندرس بعض الإيضاحات لقوة الإيمان على الخلاص من العبودية. سنقتبس من لوقا 13: 10-17:

"كَانَ يُعَلِّمُ فِي أَحَدِ الْمَجَامِعِ فِي السَّبْتِ، وَإِذَا امْرَأَةٌ كَانَ بِهَا رُوحُ ضَعْفٍ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُنْحَنِيَةً وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَنْتَصِبَ الْبَتَّةَ. فَلَمَّا رَآهَا يهوشوه دَعَاهَا وَقَالَ لَهَا:«يَا امْرَأَةُ، إِنَّكِ مَحْلُولَةٌ مِنْ ضَعْفِكِ. وَوَضَعَ عَلَيْهَا يَدَيْهِ، فَفِي الْحَالِ اسْتَقَامَتْ وَمَجَّدَتِ يهوه. فَأَجابَ رَئِيسُ الْمَجْمَعِ، وَهُوَ مُغْتَاظٌ لأَنَّ يهوشوه أَبْرَأَ فِي السَّبْتِ، وَقَالَ لِلْجَمْعِ:«هِيَ سِتَّةُ أَيَّامٍ يَنْبَغِي فِيهَا الْعَمَلُ، فَفِي هذِهِ ائْتُوا وَاسْتَشْفُوا، وَلَيْسَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ. فَأَجَابَهُ السيّد وَقَالَ: يَا مُرَائِي أَلاَ يَحُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ثَوْرَهُ أَوْ حِمَارَهُ مِنَ الْمِذْوَدِ وَيَمْضِي بِهِ وَيَسْقِيهِ؟ وَهذِهِ، وَهِيَ ابْنَةُ إِبْراهِيمَ، قَدْ رَبَطَهَا الشَّيْطَانُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُحَلَّ مِنْ هذَا الرِّبَاطِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ؟ وَإِذْ قَالَ هذَا أُخْجِلَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا يُعَانِدُونَهُ، وَفَرِحَ كُلُّ الْجَمْعِ بِجَمِيعِ الأَعْمَالِ الْمَجِيدَةِ الْكَائِنَةِ مِنْهُ".

يمكننا أن نتغاضى هنا عن هذا الرئيس المرائي المتزمت، لنركز على المعجزة. لقد كانت هذه المرأة مربوطة؛ نحن الذين خوفا من الموت، كنّا جميعا كلّ حياتنا تحت العبودية. لقد ربط الشيطان المرأة؛ والشيطان أيضا ينصب لأرجلنا أشراكاً وأخذنا إلى الأسر. وهي لم تستطع بأية طريقة أن ترفع رأسها؛ حاقت بنا أثامنا ولا نستطيع أن نبصر. مزمور 40: 12. فبكلمة ولمسة حرّر يهوشوه  المرأة من ضعفها؛ ولنا نفس رئيس الكهنة الرحيم الأن في السموات، الذي يرثي لضعفاتنا، ونفس هذه الكلمة ستحرّرنا من الخطية.

لأي هدف سُجّلت معجزات الشفاء، التي صنعها يهوشوه؟ يوحنا يجيب على هذا السؤال. فهي لم تُصنع فقط لترينا مقدرته على الشفاء من المرض الجسدي وحسب، ولكن لترينا أيضا ً سلطانه على الخطية. أنظر متى 9: 2-8. ولكن يقول يوحنا: "وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يهوشوه قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يهوشوه هُوَ المسيح ابْنُ يهوه، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" يوحنا 20: 30، 31.

إذاً، فنرى ببساطة أنّ تلك المعجزات سُجّلت كدروس عملية على محبة المسيح، واستعداده الدائم ليخفف من آلام البشرية، ولقدرته على أعمال الشيطان، سواء كانت في الجسد أو في النفس. معجزة واحدة أخرى تكفينا في هذا الموضوع. وهي المدونة في الأصحاح الثالث من سفر أعمال الرسل. لن أقرأها كلها ولكن أسأل القارئ أن يتابع باهتمام من كتابه المقدس.

بطرس ويوحنا رأيا عند باب الهيكل رجلا أعرج منذ ولادته لمدة تزيد عن أربعين عاما. لم يمش أبدا في كل حياته. وكان يستعطي، وبطرس كان مدفوعا بالروح أن يعطيه شيئاً أفضل من الفضّة أو الذهب. قال: "بأسم يهوشوه المسيح النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ، فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ يهوه" عدد 6-8.

هذه المعجزة البارزة التي رآها الجمع سبّبت لهم دهشة عجيبة، ولما رأى بطرس دهشتهم، أوضح لهم كيف تمت الأعجوبة، فقال: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا؟ وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟ إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يهوشوه، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ. وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ يهوه مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ. وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ".

والأن نرى التطبيق. الرجل كان أعرجا من بطن أمّه، وغير قادر على مساعدة نفسه. وبكل سرور أراد أن يمشي، ولكن لم يستطع. ونحن بالمثل يمكننا جميعا أن نقول، مع داود، "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي" مزمور 51: 5. ونتيجة لهذا، فنحن بالطبيعة ضعفاء جدا ولا نستطيع أن نفعل الأشياء التي نريد فعلها. وبمرور كل سنة في حياة هذا الإنسان الكسيح، زادت معها عدم مقدرته على المشي بسبب زيادة ثقل جسمه، بينما لم تتشدّد أطرافه، وبالمثل فتكرار فعل الخطية ونحن نتقدم في كبر السن، يشدّد من سطوتها علينا. لقد كان من أعظم المستحيلات أن يقدر ذلك الإنسان على المشي؛ ومع ذلك فاسم المسيح، بالإيمان فيه، أعطاه صحة ممتازة وخلاصا من عجزه. ونحن بالمثل، بواسطة الإيمان به، يمكننا أن نشفى ونصبح قادرين لنعمل الأعمال التى ظهرت مستحيلة لنا. لأنّ الغير مستطاع عند الناس مستطاع عند يهوه. فهو الخالق. "وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً" واحدة من عجائب الإيمان، كما هي موضحة في الأبطال القدامى، أنّهم "تَقَوَّوْا مِنْ ضُعَف".

هذه الحوادث أوضحت لنا أن يهوه يخلص من العبودية كلَّ من يثق فيه. والأن لندرس معرفة طريقة الحصول على الحرية.

لقد رأينا أنّنا بالطبيعة عبيد للخطية وللشيطان، وحالما نسلّم أنفسنا للمسيح، نصبح أحرارا من سلطة الشيطان. يقول بولس، "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟"رومية 6: 16. إذاً، مباشرة بعد أن نتحرر من عبودية الخطية، نصبح عبيداً للمسيح. بالفعل، إنّ عمل تحررينا من سلطان الخطية، كاستجابة لإيماننا، يبرهن على قبول يهوه لنا كخدّامه. فنصبح حقا عبيداً للمسيح؛ ولكن من هو عبد يهوه فهو رجل حر، لإننا مدعوّون للحرية (غلاطية 5: 13)، "وَحَيْثُ رُوحُ يهوه هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ" (2 كورنثوس 3: 17).

ثم يأتي الصراع مجددا. فالشيطان غير مستعد لأن يترك عبده وخدمته. ونعلم بسبب اختبارنا المحزن أنّه أقوى منا، وبدون معونة لا نستطيع أن نقاومه. ونخاف من قوته ونصرخ في طلب النجاة. ثم نستعيد في أذهاننا أننا لسنا عبيدا للشيطان مجددا. فنحن قد سلمنا أنفسنا ليهوه، وهو قد قبلنا كعبيده. ونستطيع أن نقول مع المرنم، "آهِ يَا يهوه، لأَنِّي عَبْدُكَ أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ. حَلَلْتَ قُيُودِي". مزمور 116: 16.  فحقيقة أنّ يهوه قد فكّ قيودنا التى كبّلنا بها الشيطان-- وفعل هذا لأننا آمنا أنه سيفعل-- هذه الحقيقة هي دليل على أنّ يهوه سيحمينا، لأنّه يعتني بخاصته، ولنا الضمان، بأنّ من ابتدأ فينا "عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يهوشوه المسيح" فيلبي 1: 6. وفي هذه الثقة نحن أقوياء لنقاوم.

نؤكّد مرة أخرى، إذا سلّمنا أنفسنا لنصبح عبيد يهوه، فنحن عبيده، أو بمعنى أخر، فنحن أدوات للبر في يده. اقرأ رومية 6: 13-16. نحن غير جامدين، أو بدون حياة، أو أدوات بدون إحساس، كتلك التى يستعملها المزارع، فهي لا رآي لها في طريقة استخدامها، ولكنّنا نحن أدوات حيّة عاقلة، لها الحرية لتختار عملها. ومع ذلك، فكلمة "أدوات" تعني وسيلة-- شيء يخضع بالتمام لإدارة الصانع. الفرق بيننا وبين أدوات الميكانيكي، هو أنّنا نستطيع أن نختار من سيستخدمنا وأي نوع من الخدمة سنقوم به، وبعد أن نختار ونسلم أنفسنا في يدي الصانع، يجب أن نترك أنفسنا بالكامل بين يديه تماما كما تُترك الأداة [في يد العامل] وهي التي لا رأي لها في ماذا سيتم استخدامها. عندما نسلّم أنفسنا ليهوه، يجب أن نبقى في يديه كالطين في يدي الخزاف، كي يستخدمنا كما يشاء. امتيازنا يكمن في اختيارنا إذا كنّا سنسمح له بأن يعمل فينا ما هو حسن.

فكرة كوننا أدوات في يدي يهوه هي عون مدهش لنصرة الإيمان عندما يتمّ إدراكها جيدا. لأنّ ما ستفعله الأداة يعتمد بالتمام على الشخص الممسك بها في يديه. مثلا، لدينا صبغة، فهي بريئة في ذاتها، ولكن يمكن استخدامها بطريقة مؤذية، كما يمكن أيضا استخدامها بطرق نافعة. فلو وقعت في يد شخص شرير، يمكن أن يصنع بها عملات مزيفة. ومن الواضح أنّها لن تُستعمل لأي هدف جيد. لكن لو كانت في يدي رجل فاضل ومستقيم، فلن تصنع أي ضرر. وبنفس الأسلوب، عندما كنّا عبيد الشيطان، لم نصنع أي صلاح (رومية 6: 20)، ولكن الأن، وقد سلمنا أنفسنا ليدي يهوه، ونحن نعلم أنه لا يوجد به غير البر، وبالتالي كأداة في يده لن تستعمل في فعل الشر. الخضوع ليهوه يجب أن يكون كاملا كما كان للشيطان في السابق، لأنّ الرسول يقول: "أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ جَسَدِكُمْ. لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ، هكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ" رومية 6: 19.

إنّ كل السر في النصرة، إذاً، يكمن أولا في خضوعنا ليهوه برغبة صادقة لعمل مشيئتة؛ ثم في المحافظة على هذا الخضوع له وترك أنفسنا بين يديه. كثيرا ما يحدث أنّ نيل النصرة يتمّ فقط بالتكرار مرة بعد الأخرى، "آهِ يَا يهوه، لأَنِّي عَبْدُكَ أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ. حَلَلْتَ قُيُودِي". هذه ببساطة طريقة توكيدية نقول بها: "يا يهوه، لقد وضعت نفسي بين يديك كأداة للبر؛ فلتكن مشيئتك، وليس ما يمليه عليّ ضعف الجسد". وعندما ندرك قوة هذه الأية ونشعر بالفعل أننا عبيدا ليهوه، فمباشرة ستأتي الفكرة، "إذا كنت بالحقيقة أداة في يدي يهوه، فهو لن يستخدمني لفعل الشر، ولن يسمح أيضا بأن أفعل الشر طالما بقيت بين يديه. فيجب أن يحفظني من الشر إذا كنت سأحفظ من الشر، لأنني لا أستطيع أن أحفظ نفسي. ولكنه يريد أن يحفظني من الشر، لإنه أظهر رغبته، وأيضا قوته لتحقيقها في بذل نفسه من أجلي في شخص ابنه. لذلك سأحفظ من هذا الشر" كل هذه الأفكار يمكنها أن تمر بالعقل فورا، ومعها ينبغي أن يأتي بالضرورة الشعور بالفرح لأننا سنُحفظ من الشر المتوجسين منه. وهذا الفرح سيجد إعلانا عنه، بشكل طبيعي، في تقديم الشكر ليهوه، وبينما نحن نشكر يهوه يتراجع العدو بتجاربه، وسلام يهوه يملء قلوبنا. وسنجد أنّ الفرح الناتج عن الإيمان يفوق بكثير جدا كل الأفراح الناتجة عن الانغماس في الخطية.

كل هذا توضيح لكلمات بولس، "أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ" رومية 3: 31. "لنبطل" الناموس ليس معناه أن نلغيه، لأنّه لا يستطيع أي إنسان أن يبطل ناموس يهوه، ومع ذلك، يقول المرنم أنه أنقض. مزمور 119: 126. إبطال ناموس يهوه هو أكثر من أن يدّعي الإنسان أنّ الناموس هو من دون عواقب، إبطال الناموس هو أن يُظهر الإنسان بحياته أنّ الناموس من دون عواقب. باختصار، أن تبطل ناموس يهوه هو معناه أن تتعدى عليه؛ ولكن الناموس نفسه يبقى كما هو سواء حُفظ أم لا. وإبطاله يؤثّر فقط على الشخص بمفرده.

لذلك فعندما، يقول الرسول أن لا نبطل ناموس يهوه بالإيمان، ولكن بالعكس، ينبغي أن نثبته، فهو يعني أنّ الإيمان لا يقود إلى إبطال الناموس بل إلى الطاعة. ولا يجب أن نقول أنّ الإيمان يقود إلى الطاعة، ولكن أنّ الإيمان نفسه يطيع. الإيمان يثبت الناموس في القلب. "وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى" فإذا كان الشيء المرجو هو البر، فالإيمان يثبته. فبدلا من أن يقود الإيمان إلى التحرر من كل النواميس بما فيها الأدبية، فهو الشيء الوحيد المضاد لهذه الحريات. فلا يهم مدى افختار الإنسان بناموس يهوه؛ لو رفض أو أهمل الإيمان المطلق في المسيح ، فهو ليس أفضل حالا من الإنسان المتعدي علانية على الناموس. فرجل الإيمان هو الشخص الوحيد الذي يستطيع بالحقيقة أن يكرم ناموس يهوه. لأنه بدون إيمان لا يمكن إرضاء يهوه (عبرانيين 11: 6)؛ وبه، أي بالإيمان، كل شيء مستطاع (مرقس 9: 23).

نعم، فالإيمان يصنع المستحيل، وهذا هو ما يطلبه منا يهوه لنفعله. عندما قال يشوع لإسرائيل، "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا يهوه"قال الحق، ومع ذلك كانت الحقيقة أنّ يهوه أرادهم أن يعبدوه. فليس في مقدور الإنسان أن يفعل براً، حتى ولو أراد ذلك (غلاطية 5: 17)؛ ولهذا، فإنه من الخطأ أن نقول أنّ كل ما يطلبه يهوه منا هو أن نفعل أفضل ما نستطيع. فمن لا يفعل أفضل من هذا لن يعمل أعمال يهوه. فينبغى أن يفعل أفضل مما يستطيع فعله. فقط ينبغي عليه أن يفعل ما ستصنعه قوة يهوه العاملة من خلاله. من المستحيل على الإنسان أن يمشي فوق المياه، ومع ذلك مشى بطرس عليها عندما مارس الإيمان بالمسيح.

بما أنّ كل القوة الموجودة في السماء وعلى الأرض في يدي المسيح وهذه القوة في متناول أيدينا، حتى المسيح نفسه يأتي ليسكن في القلب بالإيمان، فلا يوجد مجال لكي نجد عيبا لدى يهوه عندما يطلب منا أن نعمل المستحيل؛ "فَقَالَ: غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ يهوه" لوقا 18: 27. لذلك فنستطيع أن نقول بثقة، "يهوه مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟" (عبرانيين 13: 6).

"فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً،39 وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ يهوه الَّتِي فِي المسيح يهوشوه سيّدنا".

إذاً، "مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟"، "وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا" رومية 8: 35، 37. "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ يهوه الَّتِي فِي المسيح  يهوشوه سيدنا" رومية 8: 38، 39.


التعليقات (3)add comment
andrew frankrek
andrew frankrek: ...
سلام لكم : يهوه يبارك خدمتكم .. سؤالي الى الكاتب .. في هذ الجزء من الموضوع ( أخيرا، نحن نعلم عن الأتحاد الألهي بين الأب والابن من حقيقة كون الأثنين لهما نفس الروح. فبولس، بعد أن قال عن الذين هم فى الجسد الذين لا يستطيعون أن يرضوا يهوه، أضاف قائلا: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ يهوه سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ المسيح، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ" (رومية 8: 9). ...) كيف علمت ان كلمة روح الله في الاصل هي روح يهوه ؟؟؟؟ ماهي الترجمة التي اعتمدت عليها .. او ماهو مصدرك الذي اعتمدته ولكم جزيل الشكر والتقدير .
1

حزيران 12, 2015
كرم حلمي
كرم حلمي: ...
"يا يهوه، لقد وضعت نفسي بين يديك كأداة للبر؛ فلتكن مشيئتك، وليس ما يمليه عليّ ضعف الجسد".
2

تشرين الثاني 18, 2013
حنان
hanan youssef: ...
"وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 14، 15).
3

كانون الأول 21, 2011

أضف تعليق
يرجى منك الدخول للتعليق.اذا لم تكن مسجلا.يرجى التسجيل.

busy
حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
13
24
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
03
23
Calendar App