يهوه بـرّنا

فالسؤال، هو كيف يمكن الحصول على هذا البر الذي سيمكّننا من الدخول إلى المدينة السماوية؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في عمل الإنجيل العظيم. دعونا أولاً نستعرض مثالا عن التبرير أو هبة البر. فهذه الحقيقة ستساعدنا على فهم النظرية بطريقة أفضل. هذا المثال مسجل لنا في )لوقا 18: 9-14( في الكلمات التالية: "وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ: إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: يهوهمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: يهوهمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ".

أعطِيَ لنا هذا المثل لنرى كيف لا يمكن، أو كيف يمكن أن نصل إلى البر. فالفريسيون لم ينقرضوا بعد؛ لإنه يوجد الكثير منهم في أيامنا هذه ممن يتوقّعون أن يحصلوا على البر من خلال أعمالهم الحسنة. فهم يثقون في أنفسهم أنهم أبرار. قد لا يفتخرون دائما بصلاحهم، ولكنهم يُظهرون ذلك بطرق آخرى بأنهم يثقون ببرّهم. ربما روح الفريسي-- الروح التي تُعدّد ليهوه أعمال الإنسان   الحسنة لتحظى بقبول يهوه لها-- تتواجد بكثرة كما في أي مكان آخر بين المدعوين مسيحيين الذين يشعرون بثقل خطاياهم وهم يرزحون تحتها. فهم يعلمون أنهم أخطأوا، ويشعرون بالإدانة. هؤلاء يحزنون على حالتهم الخاطئة وينتقدون ضعفهم. فشهادتهم لا ترتفع أكثر من هذا المستوى. في بعض الأحيان يمتنعون عن الكلام بسبب خجلهم في الاجتماعات العامة، ومرارا كثيرة لا يجرؤون على التقرب من إلههم في الصلاة. بعد أن يكونوا قد أخطأوا لدرجة كبيرة أكثر من العادي، فهم يمتنعون عن الصلاة لبعض الوقت، حتى يختفي إدراكهم الظاهر لفشلهم أو إلى أن يتخيلوا أنهم عوضوا عن فشلهم بالقيام بأحد الأعمال التي توضح السلوك الحسن. فعلامَ يدل هذا؟ يدل هذا على الروح الفريسية التى تستعرض برّها الذاتي في وجه الخالق؛ والتى لن تأتي إليه إلا إذا كانت لديها ما تستند عليه من إعانتها الذاتية لصلاحها الوهمي. فهؤلاء يريدون أن يقولوا ليهوه، "أنظر كم كنت حسنا في الأيام القليلة الماضية؛ فبكل تأكيد أنك سوف تقبلني".

ولكن ما هي نتيجة هذا؟ فالرجل الذي وثق في برّه لم يحصل على شيء، بينما الرجل الذي صلى، بقلب شاعر ومنسحق، "يا يهوه أرحمني أنا الخاطىء" رجع إلى بيته رجلا بارّا. يقول لنا المسيح  أنّه أنصرف إلى بيته مبرّرا؛ أي أنه، أصبح مبررا.

نلاحظ أنّ العشّار عمل شيئا أكثر من النوح على خطاياه؛ فلقد طلب الرحمة. ما هي الرحمة؟ هي عمل محبة غير مستحقّ. فهو الميل لمعاملة الإنسان  بأفضل مما يستحق. فكلمة الوحي تقول لنا عن يهوه، "لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ" (مزمور 103: 11). فهذا معناه، أنّ المقياس الذي يعاملنا به خالقنا هو أفضل مما نستحق عندما نأتي إليه بتواضع، إنّه يمثل المسافة بين الأرض وأعلى السموات. فبأية طريقة يعاملنا بها أفضل مما نستحق؟ في أخذه لخطايانا بعيدا عنا، لأنّ العدد التالي يقول. "كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا". فهذا يتفق مع كلمات التلميذ الحبيب، "‏إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1 يوحنا 1: 9).

نص إضافي يوضح رحمة يهوه، وكيف يظهرها نحونا، نقرأ في (ميخا 7: 18، 19) "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. ‏يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ" فدعونا الأن نقرأ أيات الكتاب المباشرة وكيف نحصل على البر.

الرسول بولس، بعد أن برهن أن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد يهوه، وأنّ بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، يكمل حديثه ويقول لنا: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيهوشوه المسيح، الَّذِي قَدَّمَهُ يهوه كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ يهوه.26 لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بيهوشوه" (رومية 3: 24-26).

"مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا". فكيف يكون الأمر بخلاف ذلك؟ لإن أفضل جهود الإنسان  الخاطئ ليس لديها أقل تأثير لإنتاج أي بر؛ فمن الواضح أنّ الطريقة الوحيدة التي تمكن الإنسان  من الوصول إليه هي أن يصبح هذا البرّ هبةً. فالبر هو عطية مجانية وهذا ما أوضحه بولس في (رومية 5: 17) "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يهوشوه المسيح !". وبما أن البرّ هو هبة، فالحياة الأبدية التي هي مكافأة البر تصير عطية يهوه، من خلال يهوشوه المسيح سيدنا.

لقد أُرسِل المسيح من قبل يهوه باعتباره الشخص الذي من خلاله يتم منح الغفران لخطايا الناس؛ وهذا الغفران يوجد ببساطة في إعلان بره (الذي هو بر يهوه) للصفح عن الخطايا. يهوه، "الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ" (أفسس 2: 4) والذي يُسرّ بها، يضع بره هو على الخاطئ الذي يؤمن بالمسيح، كبديل عن خطاياه. بالتأكيد، فهذه مقايضة مربحة للخاطئ، ولا تسبّب خسارة لدى يهوه، لإنه غير محدود في القداسة وهذه المؤونة لا تنفذ .

الأيات التي نحن بصدد دراستها (رومية 3: 24- 26) هي فقط عبارات من (الأعداد 21، 22)، تتبع الإعلان القائل: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ". ثم يضيف الرسول، "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ يهوه بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ يهوه بِالإِيمَانِ بِيهوشوه المسيح، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ" يهوه يضع بره على المؤمن. ويغطّيه به، حتى لا تظهر خطيته. ثم بعد ذلك يستطيع الشخص المغفورة خطاياه أن يهتف مع النبي قائلا: "فَرَحًا أَفْرَحُ بِيهوه. تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلهِي، لأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَصِ. كَسَانِي رِدَاءَ الْبِرِّ، مِثْلَ عَرِيسٍ يَتَزَيَّنُ بِعِمَامَةٍ، وَمِثْلَ عَرُوسٍ تَتَزَيَّنُ بِحُلِيِّهَا" (أشعياء 61: 10).

ولكن ماذا عن "بر يهوه بدون الناموس؟" فكيف نوفّق بينه وبين العبارة القائلة أنّ الناموس هو برّ يهوه، وخارج مطاليبه لا يوجد أي بر؟ لا يوجد أي تناقض هنا. فالناموس غير مهمل في هذا الإجراء. لاحظ بدقة: من أعطى الناموس؟ المسيح. كيف أعلنه؟ "كمن له سلطة", كيهوه. فالناموس صدر منه كما صدر من الآب وببساطة فهو إعلان عن بر صفاته. لذلك فالبر الناتج عن الإيمان بيهوشوه المسيح هو نفس البر المتضمن فى الناموس، وهذا مثبت لاحقا في حقيقة أنه "مشهودا له من الناموس".

لندع القارئ يتصور المشهد. هنا يقف الناموس كالشاهد اليقظ ضد الخاطئ. فهو لا يستطيع أن يتغير، ولن يدعي أن الخاطئ هو إنسان بار. والخاطئ المبكت يحاول مرارا وتكرارا أن يحصل على البر من الناموس، ولكن الناموس يقاوم كل محاولاته. فلا يمكن إرشاؤُه بأية كمية من الأعمال التكفيرية أو ما يسمى بالأعمال الحسنة. ولكن هناك يقف المسيح ، "مملوء نعمةً" كما هو مملوء حقاً سواء بسواء، داعيا الخاطئ إليه. وفي النهاية بعد أن يكون الخاطئ قد أنُهك تعبا من صراعه اليائس للحصول على البر من الناموس، يسمع صوت المسيح ويهرب إلى ذراعيه المفتوحة على سعتها. وهو إذ يختبئ في المسيح، فهو مغطى ببرّه، والآن أنظر! فهو حصل عن طريق الإيمان بالمسيح على ما كان يجاهد عبثا للحصول عليه. فلديه البر الذي يطلبه الناموس، وهذا هو النموذج الأصلي، لإنه حصل عليه من مصدر البر، من ذات المكان الذي آتى منه الناموس. والناموس يشهد لأصالة هذا البر. فهو يقول أنّ الإنسان  طالما يحتفظ بهذا البر، فعندما يذهب إلى المحاكمة سوف يدافع عنه (عن الإنسان ) ضد المشتكين عليه. فسيشهد لحقيقة أنه إنسان بار. بالبر الذي "وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ المسيح، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ يهوه بِالإِيمَانِ" (فيلبي 3: 9)، بولس كان واثقا من أنه سيقف محمياً في يوم المسيح.

في هذا الإجراء لا يوجد مجال لإيجاد خطأ. فيهوه بار، وفي نفس الوقت هو من يبرر الإنسان  الذي يؤمن بيهوشوه. ففي المسيح  يحل كل ملء اللاهوت. فهو متساو مع الآب في كل الصفات. ونتيجة لذلك فالفداء الذي فيه-- القدرة على شراء وأسترداد الإنسان  الضال-- هو غير محدود. عصيان الإنسان  موجّه ضد الإبن بنفس المقدار ضد الآب، لإن الأثنين واحد. لذلك، فالمسيح  عندما "بذل نفسه من أجل خطايانا"، فكان هو الملك المتألم لأجل رعاياه العصاة--المجروح من أجلهم ومتغاضيا عن جرم المذنب. لا يوجد أي متشكك ينكر أن الإنسان  لديه الحق والامتياز أن يعفو عن أي جرم ارتكب في حقه؛ فلماذا إذاً كلّ هذه الضجة عندما يمارس يهوه نفس هذا الحق؟ بالتأكيد إذا أراد هو أن يعفو عن ما سبب له الضرر، فلديه الحق في ذلك، وأكثر من ذلك، لإنه يبرر كرامة ناموسه بإخضاع شخصه للعقوبة التى كانت من حق الخاطئ. ولكنّ البار تألم من أجل المجرم. هذا صحيح، لكن المتألم البار "بذل نفسه" طواعية، لكي يقدر بالعدل تجاه حكومته أن يفعل ما أملت عليه محبته، أي، التغاضى عن الجروح التي لحقت به كرئيس هذا الكون.

والأن نقرأ كلمات يهوه نفسه بخصوص اسمه-- كلمات أعطيت في وجه واحدة من أسوء حالات النزاع التي صدرت في حقه: "فَنَزَلَ يهوه فِي السَّحَابِ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ هُنَاكَ وَنَادَى بِاسْمِ يهوه. فَاجْتَازَ يهوه قُدَّامَهُ، وَنَادَى يهوه: "يهوه إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. ‏حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً. مُفْتَقِدٌ إِثْمَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ، وَفِي أَبْنَاءِ الأَبْنَاءِ، فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ" (خروج 34: 5-7).

هذا اسم الإله (يهوه). إنه يمثّل صفاته التي من خلالها يعلن نفسه للإنسان، النور الذي يشتاق أن يقدّره به الناس. ولكن ماذا عن التصريح القائل أنه "لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً"؟ هذا يتماشى بالتمام مع كونه بطيء الغضب وكثير الإحسان وغافر إثم شعبه. فهذا صحيح أنّ يهوه لن يبرىء المجرم بأي حال من الأحوال. فهو لا يستطيع أن يفعل ذلك ويبقى كإله بار وعادل. ولكنه يفعل شيئا أفضل بكثير. فهو يزيل الجرم، حتى لا يُحتاج من أجرم في الماضي أن تثبت براءتهُ-- لإنه قد تبرر وحُسِب كأنه لم يفعل خطية.

فلا يجب أن يستهزئ أحد بخصوص العبارة القائلة، "لبس (وضع عليه) البر" كأنّما هذا الشيء هو نفاق. البعض قال ممن عندهم نقص واضح لتقدير قيمة عطية البر، أنّهم لا يريدون برا ً "يوضع عليهم" ولكنهم يريدون فقط ذلك البر الذي يأتي من الحياة، مستخفّين ببر يهوه، الذي هو بالإيمان بيهوشوه المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. نحن نتفق مع وجهة نظرهم كما هي ظاهرة بشكل اعتراض ضد النفاق، لمن لهم صورة للتقوى بدون قوتها، ولكن يجب على القارىء أن يضع هذه الفكرة في عقله: إنّ الفرق كل الفرف يكمن في مَن سيضع البرّ. فلو حاولنا أن نضعه على أنفسنا، فبالحقيقة سوف نضع فقط ثوب عِدّة، بغضّ النظر عن مدى جمال منظره لنا، ولكن عندما يُلبسه لنا المسيح، فلا يجب أن ننبذه أو نرفضه. لاحظ هذه العبارة في أشعياء: "كَسَانِي رِدَاءَ الْبِرِّ". البر الذي يكسينا به المسيح  هو البر الذي يلقى استحسان يهوه الآب، وإذا كان يهوه راضيا ً به، فبالتالي لا يجب على الإنسان  أن يحاول إيجاد أي شيء أفضل.

ولكننا سوف نأخذ المسألة خطوة ً للأمام وهذا سوف يبسّط الصعوبة. (زكريا 3: 1-5) يمدّنا بالحل. وتقول: "‏وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِمًا قُدَّامَ مَلاَكِ يهوه، وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ. ‏فَقَالَ يهوه لِلشَّيْطَانِ: "لِيَنْتَهِرْكَ يهوه يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ يهوه الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ! أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟". وَكَانَ يَهُوشَعُ لاَبِسًا ثِيَابًا قَذِرَةً وَوَاقِفًا قُدَّامَ الْمَلاَكِ. فَأَجَابَ وَكَلَّمَ الْوَاقِفِينَ قُدَّامَهُ قَائِلاً: "انْزِعُوا عَنْهُ الثِّيَابَ الْقَذِرَةَ". وَقَالَ لَهُ: "انْظُرْ. قَدْ أَذْهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ، وَأُلْبِسُكَ ثِيَابًا مُزَخْرَفَةً". فَقُلْتُ: "لِيَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً طَاهِرَةً". فَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةَ الطَّاهِرَةَ، وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابًا وَمَلاَكُ يهوه وَاقِفٌ".

نلاحظ في هذه الأيات أنّ نزع الثياب القذرة هو نفس العمل الذي يتم عندما تؤخذ خطايا الإنسان  بعيدا عنه. ولذلك نجد أنّه عندما يكسينا المسيح  بثوب بره هو، فهو لا يمدنا بعباءة تخفي تحتها الخطية بل هو يزيح الخطية بعيدا. وهذا يوضح أنّ غفران الخطايا هو شيء أكثر من مجرد إجراء، شيء أكثر من كونه يدوّن في سجلات السماء، بأن الخطية أصبحت لاغية. غفران الخطايا هو حقيقة واقعية؛ وشيء ملموس،  شيء يؤثّر بقوة حيوية على الإنسان . فهو يزيل شعور الإنسان  بالذنب، وبما أنّه أُبرِئ من الذنب، فهو مبرّر، أصبح بار، فهو بكل تأكيد قد مر بتغيير جذري. فهو، بالحقيقة، شخص آخر، لأنّه حصل على هذا البر للصفح عن الخطايا، في المسيح . لقد حصل عليه فقط بكونه لبس المسيح . لكن "إذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2 كورنثوس 5: 17). ولذلك فالغفران الكامل والمجاني للخطايا يحمل معه هذا التغيير المدهش العجيب، المعروف بأسم "الولادة الجديدة"، لإنه لا يستطيع الإنسان  أن يصير خليقة جديدة بدون أن يولد ثانية. هذا هو نفس الشيء عندما يكون لدينا قلب جديد أو قلب نقي.

القلب الجديد هو قلب يحبّ البرّ ويكره الخطية. فهو قلب يريد أن ينساق في طرق البر. فهذا هو القلب الذي تمناه يهوه لإسرائيل كي يملكوه عندما قال: "يَا لَيْتَ قَلْبَهُمْ كَانَ هكَذَا فِيهِمْ حَتَّى يَتَّقُونِي وَيَحْفَظُوا جَمِيعَ وَصَايَايَ كُلَّ الأَيَّامِ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ وَلأَوْلاَدِهِمْ خَيْرٌ إِلَى الأَبَدِ!" (تثنية 5: 29).

باختصار، فهو قلب خالٍ من محبة الخطية كما هو خال ٍ من الشعور بذنب الخطية. ولكن ما الذي يجعل الإنسان  يكون صادقا في رغبته للحصول على غفران خطاياه؟ ببساطة هو كراهيته لهذه الخطايا ورغبته في الحصول على البر، وهذه الكراهية والرغبة قد أشعلهما الروح القدس.

الروح القدس يجاهد مع كل إنسان. فهو يأتي كمبكت. فإذا سُمع صوت تبكيته، فهو في نفس اللحظة يبدأ وظيفته كالمعزي. فنفس الخضوع، وطبيعة اللين التي قادت الإنسان  ليقبل تبكيت الروح، سوف تقوده ليتبع تعاليم الروح، وبولس يقول "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ يهوه، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ يهوه" (رومية 8: 14).

مرة أخرى، ما هو سبب التبرير أو غفران الخطايا؟ هو الإيمان، لإنّ بولس يقول،"فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ يهوه بِسيدنا يهوشوه المسيح" (رومية 5: 1). بر يهوه معطى وموضوع على كل من يؤمن، (رومية 3: 22). ونفس تدريب الإيمان هذا يجعل الإنسان  ابنا ليهوه؛ لإن الرسول بولس يقول ثانية، "لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ يهوه بِالإِيمَانِ بالمسيح يهوشوه" (غلاطية 3: 26).

إنّ حقيقة كون أي شخص قد غُفرت خطاياه فهو في الحال يصبح ابنا ليهوه، موضحة في رسالة بولس إلى تيطس. فهو أولا يعرض لنا حالتنا الشريرة التي كنا عليها ثم بعد ذلك يقول (تيطس 3: 4-7): "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا يهوه وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيهوشوه المسيح مُخَلِّصِنَا. حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ ".

لاحظ أنّه بواسطة تبريرنا بالنعمة أصبحنا ورثة. لقد تعلمنا مسبقا من (رومية 3: 24، 25) أنّ هذا التبرير بنعمته هو من خلال الإيمان في المسيح ، لكن (غلاطية 3: 26) تقول لنا أنّ الإيمان بيهوشوه المسيح يجعلنا أولاد يهوه؛ لذلك، نحن نعلم أنّ كل من تبرّر بنعمة يهوه--قد أصبح مغفور الأثم-- فهو ابن ووارث ليهوه.

فهذا يوضّح أنّه لا يوجد أساس للفكرة القائلة أنّه ينبغي على الإنسان  أن يمرّ بنوع ما من الاختبار ويصل إلى درجة معينة من القداسة قبل أن يقبله يهوه كـابن له. فيهوه يقبلنا كما نحن. فهو لا يحبنا من أجل صلاحنا بل هو يحبنا من أجل أحتياجنا. فهو يقبلنا، ليس لأجل خاطر أي شيء يراه فينا ولكن من أجل خاطره هو ومن أجل ما يعلمه عن طريق قوته الإلهية وما تستطيع هي أن تصنع بنا. فقط عندما ندرك عظمة يهوه المدهشة وقداسته وحقيقة مجيئه لنا في حالتنا الخاطئة والمنحطة لكي يتبنُانا في أسرته، عندئذ نستطيع أن نقدّر قوة إعلان الرسول، "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ يهوه"(1يوحنا 3: 1). كل من تمتّع بهذا الإكرام سيطهّر نفسه، كما هو طاهر.

يهوه لا يتبنّانا كأولاد له لأنّنا صالحون، لكن لكي يجعلنا صالحين. يقول بولس، "الإله الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ المسيح ­ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ ­وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي المسيح يهوشوه، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي. المسيح  يهوشوه" (أفسس 2: 4-7). ثم يضيف، "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ يهوه. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي المسيح يهوشوه لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ يهوه فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (الأعداد 8-10). هذا المقطع يوضح لنا أنّ يهوه أحبّنا حينما كنّا أمواتا ً في الخطايا. فهو يعطينا روحه ليجعلنا أحياء في المسيح، ونفس الروح تتولى بنوتنا لدى العائلة الإلهية، وبهذا يتمّ التبني، فكمخلوقات جديدة في المسيح يمكننا أن نعمل الأعمال الحسنة التى قد عيّنها يهوه.



حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6003
12
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
02
23
Calendar App